الجمعة، 22 أكتوبر 2010

الزبير بن العــوام

المبشر السادس بالجنة لا يجيء ذكر طلحة الا ويذكر الزبير معه ولا يجيء ذكر الزبير الا ويذكر طلحة معه

كان الرسول عليه الصلاة والسلام يؤاخي بين أصحابه في مكة قبل الهجرة آخى بين طلحة والزبير وطالما كان عليه السلام
يتحدث عنهما معا مثل قوله طلحة والزبير جاراي في الجنة
وكلاهما يجتمع مع الرسول في القرابة والنسب

طلحة يجتمع في نسبه مع الرسول في مرة بن كعب
والزبير يلتقي بنسبه مع الرسول في قصي بن كلاب كما أن أمه صفية عمة الرسول صلى الله عليه وسلم

وكل منهما طلحة والزبير كان أكثر الناس شبها بالآخر بمقادير الحياة فالتماثل بينهما كبير في النشأة والثراء والسخاء وفي قوة الدين وكلاهما من المسلمين المبكرين باسلامهم ومن العشرة الذين بشرهم الرسول بالجنة ومن أصحاب الشورى الستة الذين وكل اليهم عمر اختيار الخليفة من بعده

أسلم الزبير اسلاما مبكرا اذ كان واحدا من السبعة الأوائل
الذين سارعوا الى الاسلام وأسهموا في طليعته المباركة في دار الأرقم وكان عمره يومئذ خمس عشر سنة وهكذا رزق الهدى والنور والخير صبيا ولقد كان فارسا ومقداما منذ صباه حتى ان المؤرخين ليذكرون أن أول سيف شهر في الاسلام كان سيف الزبير ففي الأيام الأولى للاسلام والمسلمون يومئذ قلة يستخفون في دار الأرقم سرت اشاعة ذات يوم أن الرسول قتل فما كان من الزبير الا أن استل سيفه وسار في شوارع مكة على حداثة سنه كالاعصار ذهب يتبين الخبر معتزما ان ما ألفاه صحيحا أن يعمل سيفه في رقاب قريش كلها حتى يظفر بهم أو يظفروا به

وفي أعلى مكة لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله ماذا به فقال له الزبير ما سمع فصلى عليه الرسول ودعا له بالخير ولسيفه بالغلب وعلى الرغم من شرف الزبير في قومه فقد حمل حظه من اضطهاد قريش وعذابها وكان الذي تولى تعذيبه هو عمه كان يلفه في حصير ويدخن عليه بالنار كي تزهق أنفاسه
ويناديه وهو تحت وطأة العذاب أكفر برب محمد أدرأ عنك العذاب فيجيبه الزبير الذي لم يكن يوم ذاك أكثر من فتى ناشئ
غض العظام يجيب عمه في تحد رهيب لا والله لا أعود لكفر أبدا ويهاجر الزبير الى الحبشة لهجرتين الأولى والثانية ثم يعود ليشهد المشاهد كلها مع رسول الله لا تفتقده غزوة ولا معركة
وما أكثر الطعنات التي تلقاها جسده واحتفظ بها بعد اندمال جراحاتها أوسمة تحكي بطولة الزبير وأمجاده ولنصغ لواحد من الصحابة رأى تلك الأوسمة التي تزدحم على جسده 

يحدثنا عنها فيقول صحبت الزبير بن العوام في بعض أسفاره
ورأيت جسده فرأيته مجذعا بالسيوف وان في صدره لأمثال العيون الغائرة من الطعن والرمي فقلت له والله لقد شهدت بجسمك ما لم أره بأحد قط فقال لي أما والله ما منها جراحة الا مع رسول الله وفي سبيل الله

وفي غزوة أحد بعد أن انقلب جيش قريش راجعا الى مكة
وندبه الرسول هو وأبو بكر لتعقب جيش قريش ومطاردته حتى يروا أن المسلمين قوة فلا يفكروا في الرجوع للمدينة واستئناف القتال وقاد أبو بكر والزبير سبعين من المسلمين وعلى الرغم من أنهم كانوا يتعقبون جيشا منتصرا فان اللباقة الحربية التي استخدمها الصديق والزبير جعلت قريشا تظن أنها أساءت تقدير خسائر المسلمين وجعلتها تحسب أن هذه الطليعة القوية التي أجاد الزبير مع الصديق ابراز قوتها وما هي الا مقدمة لجيش الرسول الذي يبدو أنه قادم ليشن مطاردة رهيبة فأغذت قريش سيرها وأسرعت خطاها الى مكة

ويوم اليرموك كان الزبير جيشا وحده رأى أكثر المقاتلين الذين كان على رأسهم يتقهقرون أمام جبال الروم الزاحفة صاح هو الله أكبر واخترق تلك الجبال الزاحفة وحده ضاربا بسيفه وسط الصفوف الرهيبة ذاتها وسيفه يتوهج في يمينه يضرب به وكان رضي الله عنه شديد الولع بالشهادة عظيم الغرام بالموت في سبيل الله وكان يقول ان طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء وقد علم ألا نبي بعد محمد واني لأسمي بني بأسماء الشهداء لعلهم يستشهدون وهكذا سمى اولاده عبدالله بن الزبير
تيمنا بالصحابي الشهيد عبدالله بن جحش وسمى ولده المنذر
تيمنا بالشهيد المنذر بن عمرو وسمى عروة تيمنا بالشهيد عروة بن عمرو وسمى حمزة تيمنا بالشهيد الجليل عم الرسول حمزة بن عبدالمطلب وسمى جعفر تيمنا بالشهيد الكبير جعفر بن أبي طالب وسمى مصعبا تيمنا بالشهيد مصعب بن عمير وسمى خالد تيمنا بالصحابي الشهيد خالد بن سعيد وهكذا راح يختار لأبنائه أسماء الشهداء راجيا أن يكونوا يوم تأتيهم آجالهم شهداء
ولقد قيل في تاريخه انه ما ولي امارة قط ولا جباية ولا خراجا ولا شيئا الا الغزو في سبيل الله وكانت ميزته كمقاتل تتمثل في اعتماده التام على نفسه وفي ثقته التامة بها فلو كان يشاركه في القتال مائة ألف لرأيته يقاتل وحده في لمعركة وكأن مسؤولية القتال والنصر تقع على كاهله وحده وكان فضيلته كمقاتل تتمثل في الثبات وقوة الأعصاب رأى مشهد خاله حمزة يوم أحد وقد مثل المشركون بجثمانه القتيل في قسوة فوقف أمامه كالطود ضاغطا على أسنانه وضاغطا على قبضة سيفه لا يفكر الا في ثأر رهيب سرعان ما جاء الوحي ينهى الرسول والمسلمين عن مجرد التفكير في الثأر وحين طال حصار بني قريظة دون أن يستسلموا أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم مع علي ابن أبي طالب فوقف أمام الحصن المنيع يردد مع علي قوله
والله لنذوقن ما ذاق حمزة أو لنفتحن عليهم حصنهم
ثم ألقيا بنفسيهما وحيدين داخل الحصن وبقوة أعصاب مذهلة
أحكما انزال الرعب بأفئدة المتحصنين داخله وفتحا أبوابه للمسلمين 

ويوم حنين أبصر مالك بن عوف زعيم هوزان وقائد جيش الشرك في تلك الغزوة أبصره بعد هزيمتهم في حنين واقفا وسط جيش من أصحابه وبقايا جيشه المنهزم فاقتحم حشدهم وحده
وشتت شملهم وحده وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يباهي به ويقول ان لكل نبي حواريا وحواريي الزبير بن العوام ذلك أنه لم يكن ابن عمته وحسب ولا زوج أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين بل كان ذلك الوفي القوي والشجاع والجواد السخي والبائع نفسه وماله لله رب العالمين كان يدير تجارة رابحة ناجحة وكان ثراؤه عريضا ولكنه أنفقه في الاسلام حتى مات مدينا وكان توكله على الله منطلق جوده ومنطلق شجاعته وفدائيته حتى وهو يجود بروحه ويوصي ولده عبد الله بقضاء ديونه قال له اذا أعجزك دين فاستعن بمولاي وساله عبدالله أي مولى تعني فأجابه الله نعم المولى ونعم النصير

يقول عبدالله فيما بعد فوالله ما وقعت في كربة من دينه الا قلت يا مولى الزبير اقضي دينه فيقضيه وفي يوم الجمل كانت نهاية
الزبير ومصيره فبعد أن رأى الحق نفض يديه من القتال وتبعه نفر من الذين كانوا يريدون للفتنة دوام الاشتعال وطعنه القاتل الغادر وهو بين يدي ربه يصلي وذهب القاتل الى الامام علي
يظن أنه يحمل اليه بشرى حين يسمعه نبأ عدوانه على الزبير
وحين يضع بين يديه سيفه الذي اخذه منه بعد اقتراف جريمته
لكن عليا صاح حين علم أن بالباب قاتل الزبير يستأذن صاح آمرا بطرده قائلا بشر قاتل ابن صفية بالنار

وحين أدخلوا عليه سيف الزبير قبله الامام على وأمعن بالبكاء وهو يقول سيف طالما والله جلا به صاحبه الكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم