رجل يحمل للرسول الحب والاجلال بشوق عظيم للايمان به
والسير بقافلته المباركة لا يمنعه سوى العرف والبيئة وضغوط التقاليد والوراثة هو حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه فى الرضاعة حمزة يعرف عظمة ابن أخيه
وعلى بينة بحقيقة أمره وجوهره ليس ابن اخيه فقط بل بمكانه الأخ بالأخ والصديق بالصديق فرسول الله وحمزة من جيل واحد وسن متقاربة نشأ معا وتآخيا معا وسارا سويا خطوة خطوة لكن شباب كل منهما مضى بطريق
حمزة يزاحم أنداده بنيل طيبات الحياة ومكان لنفسه بين زعماء مكة وعكف محمد على اضواء روحه التي انطلقت تنير له الطريق الى الله والتأمل العميق للتهيؤ لمصافحة الحق وتلقيه
كان شباب كل منهما اتخذ وجهة مغايرة حمزة لم تغب عن وعيه لحظة فضائل ابن أخيه تلك الفضائل والمكارم كانت تحل لصاحبها مكانا عليا في أفئدة الناس كافة وترسم صورة واضحة لمستقبله العظيم
كان شباب كل منهما اتخذ وجهة مغايرة حمزة لم تغب عن وعيه لحظة فضائل ابن أخيه تلك الفضائل والمكارم كانت تحل لصاحبها مكانا عليا في أفئدة الناس كافة وترسم صورة واضحة لمستقبله العظيم
في صبيحة ذلك اليوم خرج حمزة كعادته عند الكعبة وجد أشراف قريش وساداتها جلس معهم يستمع لما يقولون
كانوا يتحدثون عن محمد رآهم حمزة يستحوذ عليهم القلق
من دعوة ابن أخيه وتظهر في أحاديثهم عنه نبرة الحقد
والغيظ والمرارة لقد كانوا من قبل لا يبالون يتظاهرون بعدم الاكتراث واللامبالاة أما اليوم فوجوههم تموج موجا بالقلق والهم وضحك حمزة من أحاديثهم طويلا ورماهم بالمبالغة وسوء التقدير وعقب أبو جهل مؤكدا لجلسائه أن حمزة أكثر الاناس علما بخطر لما يدعو اليه محمد ولكنه يريد أم يهون الأمر حتى تنام قريش وتصبح يوما وقد ساء صاحبها وظهر أمر ابن أخيه عليها
ومضوا في حديثهم يزمجرون ويتوعدون وحمزة يبتسم تارة ويمتعض أخرى وانفض الجميع وذهب كل الى سبيله وكان حمزة مثقل الرأس بأفكار جديدة وخواطر جديدة راح يستقبل بها امر ابن اخيه ويناقشه مع نفسه من جديد ومضت الأيام بعضها كبعض وكل يوم تزداد همهمة قريش حول دعوة الرسول وتتحول الهمهمة لتحرش وحمزة يرقب الموقف من بعيد وثبات ابن أخيه ليبهره وتفانيه في سبيل ايمانه ودعوته
شيء جديد على قريش كلها برغم ما عرفت من تفان وصمود
فحمزة خير من عرف محمدا من طفولته الباكرة الى شباب الطاهر لرجولته الأمينة يعرفه كما يعرف نفسه بل اكثر مما يعرف نفسه ومنذ جاءا الى الحياة معا وترعرعا معا وبلغا أشدهما معا وحياة محمد نقية كأشعة الشمس لا يذكر حمزة شبهة واحدة ألمت بهذه الحياة لا يذكر رآه يوما غاضبا او قانطا أو طامعا أو لاهيا أو مهزوزا وحمزة لم يكن يتمتع بقوة الجسم فحسب بل وبرجاحة العقل وقوة ارادة أيضا فلم يكن من الطبيعي يتخلف عن متابعة انسان يعرف فيه كل الصدق وكل الأمانة وطوى صدره الى حين لأمر سيتكشف بيوم قريب
وجاء اليوم الموعود خرج حمزة من داره متوشحا قوسه
ووجهه شطر الارض ليمارس هوايته المحببة ورياضته الأثيرة الصيد فكان صاحب مهارة فائقة فيه قضى هناك بعض يومه
لما عاد من قنصه ذهب كعادته الى الكعبة ليطوف بها قبل أن يرجع الى داره وقريبا من الكعبة لقاته خادمه لعبدالله بن جدعان لم تكد تبصره حتى قالت له يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد من أبي الحكم بن هشام وجده جالسا هناك
فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره ومضت تشرح له ما صنع أبو جهل برسول الله واستمع حمزة جيدا لقولها ثم أطرق لحظة
ومد يمينه لقوسه فثبتها فوق كتفه وانطلق بخطى سريعة حازمة تجاه الكعبة راجيا أن يلتقي عندها بأبي جهل فان هو لم يجده هناك فسيتابع البحث عنه بكل مكان حتى يلاقيه لكنه لا يكاد يبلغ الكعبة حتى أبصر أبا جهل بفنائها يتوسط نفرا من سادة قريش
في هدوء رهيب تقدم حمزة من أبى جهل واستل قوسه وهوى به على رأس أبي جهل فشجه وأدماه قبل أن يفيق الجالسون من الدهشة صاح حمزة في أبي جهل أتشتم محمدا أنا على دينه أقول ما يقول والا فرد ذلك علي ان استطعت في لحظة
نسي الجالسون جميعا الاهانة التي نزلت بزعيمهم أبي جهل
والدم لذي ينزف من رأسه وشغلتهم تلك الكلمة التي جاءت كالصاعقة كلمة أعلن بها حمزة أنه على دين محمد يرى ما يراه ويقول ما يقوله أحمزة يسلم أعز فتيان قريش وأقواهم
انها طامة لن تملك قريش لها دفعا فاسلام حمزة سيغري كثيرين من الصفوة بالاسلام وسيجد محمد حوله من القوة والبأس ما يعزز دعوته ويشد ازره وتصحو قريش بيوم على هدير المعاول تحطم أصنامها وآلهتها أجل أسلم حمزة وأعلن على الملأ الأمر الذي كان يطوي عليه صدره وترك الجمع الذاهل يجتر خيبة أمله وأبا جهل يلعق دماءه النازفة من رأسه المشجوج
ومد حمزة يمينه مرة أخرى لقوسه فثبتها فوق كتفه واستقبل الطريق لداره بخطواته الثابتة وبأسه الشديد حمزة يحمل عقلا نافذا وضميرا مستقيما ولما رجع لبيته جلس يفكر بما حدث له وكيف أعلن اسلامه أعلنه بلحظات الحمية والغضب والانفعال
ساءه أن يساء لابن اخيه ويظلم دون أن يجد له ناصرا فغضب له أخذته الحمية لشرف بني هاشم فشج رأس أبي جهل صرخ بوجهه باسلامه
لكن هل هذا هو الطريق الأمثل يغدار الانسان دين آبائه وقومه
دين الدهور والعصور ويستقبل دينا جديدا لم يختبر بعد تعاليمه
ولا يعرف عن حقيقته الا قليلا صحيح أنه لا يشك بصدق محمد ونزاهة قصده لكن أيمكن أن يستقبل امرؤ دينا جديدا بكل ما يفرضه من مسؤوليات وتبعات في لحظة غضب مثلما صنع حمزة اخذ يفكر وقضى أياما لم يهدأ له خاطر وليالي لا يرقأ له فيها جفن وحين نشد الحقيقة بواسطة عقله فحمزة يوازن بين الدين القديم والدين الجديد
وثارت بنفسه شكوك أرجاها الحنين الفطري الموروث لدين آبائه واستيقظت كل ذكرياته عن الكعبة وآلهاها وأصنامها وعن الأمجاد الدينية التى صنعتها هذه الآلهة المنحوتة على قريش كلها وعلى مكة بأسرها لقد كان يطوي صدره لاحترام هذه الدعوة الجديدة التي يحمل ابن أخيه لواءها ولكن اذا كان مقدورا له أن يكون أحد أتباع هذه الدعوة المؤمنين بها والذائدين عنها فما الوقت المناسب للدخول في هذا الدين
لحظة غضب وحمية أم أوقات تفكير وروية فرضت عليه استقامة ضميره ونزاهة تفكيره ذلك وهذا الدين القديم العريق
لحظة غضب وحمية أم أوقات تفكير وروية فرضت عليه استقامة ضميره ونزاهة تفكيره ذلك وهذا الدين القديم العريق
وعجب حمزة كيف يتسنى لانسان أن يغادر دين آبائه بهذه السهولة وهذه السرعة ندم على ما فعل لكنه واصل رحلة العقل
ولما رأى أن العقل وحده لا يكفي لجأ الى الغيب بكل اخلاصه وصدقه عند الكعبة كان يستقبل السماء ضارعا مبتهلا مستنجدا
بكل ما في الكون من قدرة ونور كي يهتدي للحق وللطريق المستقيم ولنصغ لحمزة وهو يروي بقية قصته فيقول
أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي وبت من الشك في أمر عظيم لا أكتحل بنوم ثم أتيت الكعبة وتضرعت الى الله أن يشرح صدري للحق ويذهب عني الريب فاستجاب الله لي وملأ قلبي يقينا وذهبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما كان من أمري فدعا الله أن يثبت قلبي على دينه وهكذا أسلم حمزة اسلام اليقين أعز الله الاسلام بحمزة ووقف شامخا قويا يذود عن رسول الله وعن المستضعفين من أصحابه ورآه أبو جهل يقف في صفوف المسلمين فأدرك أنها الحرب لا محالة راح يحرض قريشا على انزال الأذى بالرسول وأصحابه
ومضى لحرب أهلية يشفي عن طرقها غيظه وحقده
ولم يستطع حمزة أن يمنع كل الأذى ولكن اسلامه مع ذلك كان وقاية ودرعا كما كان اغراء ناجحا لكثير من القبائل التي قادها اسلام حمزة واسلام عمر بن الخطاب بعد ذلك للاسلام فدخلت فيه أفواجا ومنذ أسلم حمزة نذر كل عافيته وبأسه وحياته لله ولدينه حتى وصفه النبي بهذا اللقب العظيم أسد الله وأسد رسوله
وأول سرية خرج فيها المسلمون للقاء العدو كان أميرها حمزة
وأول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين كانت لحمزة ويوم التقى الجمعان في غزوة بدر
كان أسد الله ورسوله هناك يصنع العجب العجاب عادت قريش من بدر الى مكة تتعثر في هزيمتها وخيبتها ورجع أبو سفيان مخلوع القلب وخلف على أرض المعركة جثث سادة قريش
من أمثال أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط والأسود بن عبدالله المخزومي والوليد بن عتبة والنفر بن الحارث والعاص بن سعيد وطعمة ابن عدي وعشرات من رجال قريش
وراحت قريش تعد عدتها وتحشد بأسها لتثأر لنفسها ولشرفها ولقتلاها وصممت قريش على الحرب وجاءت غزوة أحد حيث خرجت قريش على بكرة أبيها ومعها حلفاؤها من قبائل العرب
بقيادة أبي سفيان مرة أخرى وكان زعماء قريش يهدفون بمعركتهم الجديدة هذه الى رجلين اثنين الرسول صلى الله عليه وسلم وحمزة رضي الله عنه وأرضاه نعم والذي كان يسمع أحاديثهم ومؤامراتهم قبل الخروج للحرب يرى كيف كان حمزة
بعد الرسول هدف قريش اختاروا قبل الخروج رجل وكلوا اليه أمر حمزة وهو عبد حبشي كان ذا مهارة خارقة بقذف الحربة
جعلوا كل دوره بالمعركة يتصيد حمزة ويصوب اليه ضربه قاتله من رمحه
وحذروه من أن ينشغل عن هذه الغاية بشيء مهما يكن مصير المعركة واتجاه القتال ووعدوه بثمن غال وعظيم هو حريته
فقد كان الرجل واسمه وحشي عبدا لجبير بن مطعم وكان عم جبير لقي مصرعه يوم بدر فقال له جبير اخرج مع الناس وان أنت قتلت حمزة فأنت عتيق وأحالوه لهند بنت عتبة زوجة أبي سفيان لتزيده تحريضا ودفعا الى الهدف الذي يريدون وكانت هند فقدت في معركة بدر أباها وعمها وأخاها وابنها وحمزة هو الذي قتل هؤلاء فكانت أكثر القرشيين والقرشيات تحريضا للخروج للحرب لا لشيء الا لتظفر برأس حمزة مهما يكن الثمن الذي تتطلبه ولبثت أياما قبل الخروج للحرب ولا عمل لها الا افراغ كل حقدها في صدر وحشي ورسم الدور الذي عليه أن يقوم به وعدته ان نجح في قتل حمزة بأثمن ما تملكه من زينة أمسكت بأناملها الحاقدة بقرطها اللؤلؤي الثمين وقلائدها الذهبية التي تزدحم حول عنقها وقالت وعيناها تحدقان وحشي
كل هذا لك ان قتلت حمزة فسال لعاب وحشي وطارت خواطره مشتاقة للمعركة التي سيربح فيها حريته فلا يصير عبدا أو رقيقا وسيخرج منها بكل هذا الحلي الذي يزين عنق زعيمة نساء قريش وزوجة زعيمها وابنة سيدها
كانت المؤمرة اذن وكانت الحرب كلها تريد حمزة رضي الله عنه بشكل واضح وحاسم حين جاءت غزوة أحد تلك ليس نهايه حمزة بل بدايه حياة حمزة ما اجملها حياة بظل الرحمن
نكمل بسم الله الرحمن الرحيم وتحملونى لطول المقال اعانكم الله وجاءت غزوة أحد والتقى الجيشان توسط حمزة أرض القتال مرتديا لباس الحرب وعلى صدره ريشة النعام التي تعود أن يزن بها صدره فى القتال راح يصول ويجول لا يرى رأسا مشركة الا وقطعها بسيفه
ومضى يضرب المشركين وكأن الرؤوس طوع أمره والمسلمون قاربوا النصر الحاسم وأخذت فلول قريش تنسحب مذعورة هاربة ولولا أن ترك الرماة مكانهم فوق الجبل ونزلوا لأرض المعركة ليجمعوا غنائم العدو لولا تركهم مكانهم وفتحوا الثغرة الواسعة لفرسان قريش لكانت غزوة أحد مقبرة لقريش كلها
رجالها ونسائها بل وخيلها وابلها دهم فرسانها المسلمين من ورائهم على حين غفلة واعملوا فيهم سيوفهم الظامئة المجنونة وراح المسلمون يجمعون أنفسهم من جديد ويحملون سلاحهم الذي كان بعضهم قد وضعه حين رأى جيش محمد ينسحب ويولي الأدبار
لكن المفاجأة كانت قاسية عنيفة ورأى حمزة ما حدث فضاعف قوته ونشاطه وبلاءه وأخذ يضرب عن يمينه وشماله وبين يديه ومن خلفه ووحشي هناك يراقبه ويتحين الفرصة الغادرة
ليوجه نحوه ضربته
ولندع وحشيا يصف لنا المشهد بكلماته كنت رجلا حبشيا
أقذف بالحربة فقلما أخطئ بها شيئا فلما التقى الفريقان خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدا ما يقف امام حمزة شىء فوالله اني لأتهيأ له أريده وأستتر منه بشجرة لأقتحمه أو ليدنو مني
اذ تقدمني اليه سباع بن عبد العزى فلما رآه حمزة صاح به
هلم الي يا بن مقطعة البظور وضربه فما أخطأ رأسه عندئذ هززت حربتي حتى اذا رضيت منها
دفعتها فوقعت وخرجت من بين رجليه ونهض نحوي فغلب على امره ومات وأتيته فأخذت حربتى ورجعت للمعسكر فقعدت فيه ولم يكن لي فيه حاجة قتلته لأعتق وقدمت مكة فأعتقت
وأقمت بها حتى دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فهربت للطائف فلما خرج وفد الطائف لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم قلت الحق بالشام أو اليمن أو سواها
فوالله اني لفي ذلك من همي اذ قال لي رجل ويحك ان رسول الله والله لا يقتل أحد من الناس يدخل دينه فخرجت حتى قدمت
على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فلم يرني الا قائما أمامه وقلت أشهد شهادة الحق فلما رآني قال أوحشي أنت قلت نعم يا رسول الله قال فحدثني كيف قتلت حمزة
فحدثته فلما فرغت من حديثي قال ويحك غيب عني وجهك
فكنت ابتعد عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله اليه فلما خرج المسلمون
الى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة فلما التقى الاناس رأيت مسيلمة الكذاب قائما في يده السيف فتهيأت له وهززت حربتي حتى اذا رضيته منها دفعتها عليه فوقعت فيه فان كنت قد قتلت بحربتي
خير الناس حمزة فاني لأرجو أن يغفر الله اذ قتلت بها شر الناس مسيلمة
هكذا سقط أسد الله ورسوله شهيدا مجيدا وكما كانت حياته مدوية كانت موتته مدوية فلم يكتف أعداؤه بمقتله وكيف يكتفون أو يقتنعون وهم الذين جندوا كل أموال قريش وكل رجالها في هذه المعركة التي لم يريدوا بها سوى الرسول وعمه حمزة أمرت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان أمرت وحشيا أن يأتيها بكبد حمزة واستجاب الحبشي لهذه الرغبة المسعورة وعندما عاد بها الى هند كان يناولها الكبد بيمناه
ويتلقى منها قرطها وقلائدها بيسراه مكافأة له على انجاز مهمته ومضغت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان قائد جيوش الشرك الوثنية مضغت كبد حمزة لتشفي بتلك الحماقة حقدها وغلها لكن الكبد استعصت على أنيابها وأعجزتها أن تسيغها
فأخرجتها من فمها ثم علت صخرة مرتفعه وراحت تصرخ قائلة نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر ولا أخي وعمه وبكري شفيت نفسي وقضيت نذري أزاح وحشي غليل صدري وانتهت المعركة وامتطى المشركون ابلهم وساقوا خيلهم الى مكة
ونزل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه الى أرض المعركة لينظر شهداءها وهناك في بطن الوادي وهو يتفحص وجوه أصحابه الذين باعوا لله أنفسهم وقدموها قرابين مبرورة لربهم وقف فجأة ونظر وضغط على أسنانه وأسبل جفنيه فما كان يتصور قط أن يهبطوا على هذه الوحشية البشعة فيمثل بجثمان ميت على الصورة التي رأى فيها جثمان عمه الشهيد حمزة بن عبد المطلب أسد الله وسيد الشهداء وفتح الرسول عينيه التي تألق بريقهما كوميض الشرر وقال وعيناه على جثمان عمه لن اصاب بمثلك أبدا وما وقفت موقفا قط أغيظ الي من موقفي هذا
والتفت الى أصحابه وقال لولا أن تحزن صفية أخت حمزة
ويكون سنه من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع
وحواصل الطير ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم فصاح أصحاب الرسول
والله لئن ظفرنا بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب ولكن الله الذي أكرم حمزة بالشهادة يكرمه مرة أخرى بأن يجعل من مصرعه فرصة لدرس عظيم يحمي العدالة للأبد ويجعل الرحمة حتى في العقوبة والقصاص واجبا وفرضا
وهكذا لم يكد رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرغ من القاء وعيده حتى جاءه الوحي وهو في مكانه لم يبرحه بهذه الآية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم " أدْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرين. اصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ. إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ " النحل 125 - 128
وكان نزول هذه الآيات في هذا الموطن خير تكريم لحمزة الذي وقع أجره على الله فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه أعظم الحب فهو كما ذكرنا من قبل لم يكن عمه الحبيب فحسب بل كان اخاه من الرضاعة وصديق العمر كله وفي لحظات الوداع هذه لم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم تحية يودعه بها خيرا من أن يصلي عليه بعدد الشهداء المعركة جميعا وهكذا حمل جثمان حمزة الى مكان الصلاة على أرض المعركة التي شهدت بلاءه واحتضنت دماءه فصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم جيء يشهيد آخر فصلى عليه الرسول ثم رفع وترك حمزة مكانه وجيء بشهيد ثاث فوضع الى جوار حمزة وصلى عليهما الرسول وهكذا جيء بالشهداء
شهيد بعد شهيد والرسول عليه الصلاة والسلام يصلي على كل واحد منهم وعلى حمزة معهم حتى صلى على عمه يومئذ سبعين صلاة
وينصرف الرسول من المعركة الي بيته فيسمع في طريقه نساء بني عبد الأشهل يبكين شهداءهن فيقول عليه الصلاة والسلام من فرط حنانه وحبه لكن حمزة لا بواكي له ويسمعها سعد بن معاذ فيظن أن الرسول عليه الصلاة والسلام يطيب نفسا اذا بكت النساء عمه فيسرع الى نساء بني عبد الأشهل ويأمرهن أن يبكين حمزة فيفعلن ولا يكاد الرسول يسمع بكاءهن حتى يخرج اليهن ويقول ما الى هذا قصدت ارجعن يرحمكن الله فلا بكاء بعد اليوم
ولقد ذهب أصحاب رسول الله يتبارون في رثاء حمزة
فقال حسان بن ثابت دع عنك دارا قد عفا رسمها وابك على حمزة ذي النائل اللابس الخيل اذا أحجمت كالليث في غابته الباسل أبيض في الذروة من بني هاشم لم يمر دون الحق بالباطل مال شهيدا بين أسيافكم شلت يدا وحشي من قاتل
وقال عبد الله بن رواحة بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل على أسد الاله غداة قالوا أحمزة ذاكم الرجل القتيل أصيب المسلمون به جميعا هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى لك الأركان هدت وأنت الماجد البر الوصول
أبا يعلى لك الأركان هدت وأنت الماجد البر الوصول
وقالت صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخت حمزة ولنا مقال عنها ان اذن الرحمن دعاه اله الحق ذو العرش دعوة الى جنة يحيا بها وسرور فذاك ما كنا نرجي ونرتجي لحمزة يوم الحشر خير مصير فوالله ما أنساك ما هبت الصبا بكاءا وحزنا محضري وميسري على أسد الله الذي كان مدرها يذود عن الاسلام كل كفور أقول وقد أعلى النعي عشيرتي جزى الله خيرا من أخ ونصير على أن خير رثاء عطر ذكراه
كانت كلمات رسول الله له حين وقف على جثمانه ساعة رآه بين شهداء المعركة وقال رحمة الله عليك فانك كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات
لقد كان مصاب النبي صلى الله عليه وسلم في عمه العظيم حمزة فادحا وكان العزاء فيه مهمة صعبه بيد أن الأقدر كانت تدخر لرسول الله أجمل عزاء ففي طريقه من أحد الى داره مر عليه الصلاة والسلام بسيدة من بني دينار استشهد في المعركة أبوها وزوجها وأخوها وحين أبصرت المسلمين عائدين من الغزو سارعت نحوهم تسألهم عن أنباء المعركة فنعوا اليها الزوج والأب والأخ واذا بها تسألهم في لهفة وماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا خيرا هو بحمد الله كما تحبين
قالت
أرونيه حتى انظر اليه ولبثوا بجوارها حتى اقترب الرسول صلى الله عليه وسلم فلما راته قالت كل مصيبه بعدك أمرها يهون - نعم كان هذا أجمل عزاء وأبقاه ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم قد ابتسم لهذا المشهد الفريد فليس في دنيا البذل والولاء والفداء لهذا نظير لسيدة ضعيفة مسكينة تفقد في ساعة واحدة أباها وزوجها وأخاها ثم يكون ردها على الناعي
لحظة سمعها الخبر الذي يهد الجبال وماذا فعل رسول الله لقد كان مشهد أجاد الرحمن رسمه وتوقيته ليجعل منه للرسول صلى الله عليه وسلم عزاء أي عزاء في أسد الله وسيد الشهداء رحمة الله عليك يا حمزة والله فى علاه وانا ادون واجمع قصصكم صحابه رسول الله اتمنى من الله ان اوفى جزء من حقكم لكن هيهات وهيهات تلك منى كتابه فقط فما وفيت عشر من جزء من حقكم ايها الرجال ونعم الرجال كنتم لنا
