الخميس، 11 نوفمبر 2010

حمزة بن عبد المطلب

رجل يحمل للرسول الحب والاجلال بشوق عظيم للايمان به
والسير بقافلته المباركة لا يمنعه سوى العرف والبيئة وضغوط التقاليد والوراثة هو حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه فى الرضاعة حمزة يعرف عظمة ابن أخيه
وعلى بينة بحقيقة أمره وجوهره ليس ابن اخيه فقط بل بمكانه الأخ بالأخ والصديق بالصديق فرسول الله وحمزة من جيل واحد وسن متقاربة نشأ معا وتآخيا معا وسارا سويا خطوة خطوة لكن شباب كل منهما مضى بطريق
 
حمزة يزاحم أنداده بنيل طيبات الحياة ومكان لنفسه بين زعماء مكة وعكف محمد على اضواء روحه التي انطلقت تنير له الطريق الى الله والتأمل العميق للتهيؤ لمصافحة الحق وتلقيه
كان شباب كل منهما اتخذ وجهة مغايرة حمزة لم تغب عن وعيه لحظة فضائل ابن أخيه تلك الفضائل والمكارم كانت تحل لصاحبها مكانا عليا في أفئدة الناس كافة وترسم صورة واضحة لمستقبله العظيم 
 
في صبيحة ذلك اليوم خرج حمزة كعادته عند الكعبة وجد أشراف قريش وساداتها جلس معهم يستمع لما يقولون
كانوا يتحدثون عن محمد رآهم حمزة يستحوذ عليهم القلق
من دعوة ابن أخيه وتظهر في أحاديثهم عنه نبرة الحقد
والغيظ والمرارة لقد كانوا من قبل لا يبالون يتظاهرون بعدم الاكتراث واللامبالاة أما اليوم فوجوههم تموج موجا بالقلق والهم وضحك حمزة من أحاديثهم طويلا ورماهم بالمبالغة وسوء التقدير وعقب أبو جهل مؤكدا لجلسائه أن حمزة أكثر الاناس علما بخطر لما يدعو اليه محمد ولكنه يريد أم يهون الأمر حتى تنام قريش وتصبح يوما وقد ساء صاحبها وظهر أمر ابن أخيه عليها
 
ومضوا في حديثهم يزمجرون ويتوعدون وحمزة يبتسم تارة ويمتعض أخرى وانفض الجميع وذهب كل الى سبيله وكان حمزة مثقل الرأس بأفكار جديدة وخواطر جديدة راح يستقبل بها امر ابن اخيه ويناقشه مع نفسه من جديد ومضت الأيام بعضها كبعض وكل يوم تزداد همهمة قريش حول دعوة الرسول وتتحول الهمهمة لتحرش  وحمزة يرقب الموقف من بعيد وثبات ابن أخيه ليبهره وتفانيه في سبيل ايمانه ودعوته
شيء جديد على قريش كلها برغم ما عرفت من تفان وصمود
فحمزة خير من عرف محمدا من طفولته الباكرة الى شباب الطاهر لرجولته الأمينة يعرفه كما يعرف نفسه بل اكثر مما يعرف نفسه ومنذ جاءا الى الحياة معا وترعرعا معا وبلغا أشدهما معا وحياة محمد نقية كأشعة الشمس لا يذكر حمزة شبهة واحدة ألمت بهذه الحياة لا يذكر رآه يوما غاضبا او قانطا أو طامعا أو لاهيا أو مهزوزا وحمزة لم يكن يتمتع بقوة الجسم فحسب بل وبرجاحة العقل وقوة ارادة أيضا فلم يكن من الطبيعي يتخلف عن متابعة انسان يعرف فيه كل الصدق وكل الأمانة وطوى صدره الى حين لأمر سيتكشف بيوم قريب
 
وجاء اليوم الموعود خرج حمزة من داره متوشحا قوسه
ووجهه شطر الارض ليمارس هوايته المحببة ورياضته الأثيرة الصيد فكان صاحب مهارة فائقة فيه قضى هناك بعض يومه
لما عاد من قنصه ذهب كعادته الى الكعبة ليطوف بها قبل أن يرجع الى داره وقريبا من الكعبة لقاته خادمه لعبدالله بن جدعان لم تكد تبصره حتى قالت له يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد من أبي الحكم بن هشام وجده جالسا هناك
فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره ومضت تشرح له ما صنع أبو جهل برسول الله واستمع حمزة جيدا لقولها ثم أطرق لحظة
ومد يمينه لقوسه فثبتها فوق كتفه وانطلق بخطى سريعة حازمة تجاه الكعبة راجيا أن يلتقي عندها بأبي جهل فان هو لم يجده هناك فسيتابع البحث عنه بكل مكان حتى يلاقيه لكنه لا يكاد يبلغ الكعبة حتى أبصر أبا جهل بفنائها يتوسط نفرا من سادة قريش 
 
في هدوء رهيب تقدم حمزة من أبى جهل واستل قوسه وهوى به على رأس أبي جهل فشجه وأدماه قبل أن يفيق الجالسون من الدهشة صاح حمزة في أبي جهل أتشتم محمدا أنا على دينه أقول ما يقول والا فرد ذلك علي ان استطعت في لحظة
نسي الجالسون جميعا الاهانة التي نزلت بزعيمهم أبي جهل
والدم لذي ينزف من رأسه وشغلتهم تلك الكلمة التي جاءت كالصاعقة كلمة أعلن بها حمزة أنه على دين محمد يرى ما يراه ويقول ما يقوله أحمزة يسلم أعز فتيان قريش وأقواهم
 
انها طامة لن تملك قريش لها دفعا فاسلام حمزة سيغري كثيرين من الصفوة بالاسلام وسيجد محمد حوله من القوة والبأس ما يعزز دعوته ويشد ازره وتصحو قريش بيوم على هدير المعاول تحطم أصنامها وآلهتها أجل أسلم حمزة وأعلن على الملأ الأمر الذي كان يطوي عليه صدره وترك الجمع الذاهل يجتر خيبة أمله وأبا جهل يلعق دماءه النازفة من رأسه المشجوج
 
ومد حمزة يمينه مرة أخرى لقوسه فثبتها فوق كتفه واستقبل الطريق لداره بخطواته الثابتة وبأسه الشديد حمزة يحمل عقلا نافذا وضميرا مستقيما ولما رجع لبيته جلس يفكر بما حدث له وكيف أعلن اسلامه أعلنه بلحظات الحمية والغضب والانفعال
ساءه أن يساء لابن اخيه ويظلم دون أن يجد له ناصرا فغضب له أخذته الحمية لشرف بني هاشم فشج رأس أبي جهل صرخ بوجهه باسلامه 
 
لكن هل هذا هو الطريق الأمثل يغدار الانسان دين آبائه وقومه
دين الدهور والعصور ويستقبل دينا جديدا لم يختبر بعد تعاليمه
ولا يعرف عن حقيقته الا قليلا صحيح أنه لا يشك بصدق محمد ونزاهة قصده لكن أيمكن أن يستقبل امرؤ دينا جديدا بكل ما يفرضه من مسؤوليات وتبعات في لحظة غضب مثلما صنع حمزة  اخذ يفكر وقضى أياما لم يهدأ له خاطر  وليالي لا يرقأ له فيها جفن وحين نشد الحقيقة بواسطة عقله فحمزة يوازن بين الدين القديم والدين الجديد

وثارت بنفسه شكوك أرجاها الحنين الفطري الموروث لدين آبائه واستيقظت كل ذكرياته عن الكعبة وآلهاها وأصنامها وعن الأمجاد الدينية التى صنعتها هذه الآلهة المنحوتة على قريش كلها وعلى مكة بأسرها لقد كان يطوي صدره لاحترام هذه الدعوة الجديدة التي يحمل ابن أخيه لواءها ولكن اذا كان مقدورا له أن يكون أحد أتباع هذه الدعوة المؤمنين بها والذائدين عنها فما الوقت المناسب للدخول في هذا الدين
لحظة غضب وحمية أم أوقات تفكير وروية فرضت عليه استقامة ضميره ونزاهة تفكيره ذلك وهذا الدين القديم العريق

وعجب حمزة كيف يتسنى لانسان أن يغادر دين آبائه بهذه السهولة وهذه السرعة ندم على ما فعل لكنه واصل رحلة العقل
ولما رأى أن العقل وحده لا يكفي لجأ الى الغيب بكل اخلاصه وصدقه عند الكعبة كان يستقبل السماء ضارعا مبتهلا مستنجدا
بكل ما في الكون من قدرة ونور كي يهتدي للحق وللطريق المستقيم ولنصغ لحمزة وهو يروي بقية قصته فيقول
أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي وبت من الشك في أمر عظيم لا أكتحل بنوم ثم أتيت الكعبة وتضرعت الى الله أن يشرح صدري للحق ويذهب عني الريب فاستجاب الله لي وملأ قلبي يقينا وذهبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما كان من أمري فدعا الله أن يثبت قلبي على دينه وهكذا أسلم حمزة اسلام اليقين أعز الله الاسلام بحمزة ووقف شامخا قويا يذود عن رسول الله وعن المستضعفين من أصحابه ورآه أبو جهل يقف في صفوف المسلمين فأدرك أنها الحرب لا محالة راح يحرض قريشا على انزال الأذى بالرسول وأصحابه
ومضى لحرب أهلية يشفي عن طرقها غيظه وحقده
 
ولم يستطع حمزة أن يمنع كل الأذى ولكن اسلامه مع ذلك كان وقاية ودرعا كما كان اغراء ناجحا لكثير من القبائل التي قادها اسلام حمزة واسلام عمر بن الخطاب بعد ذلك للاسلام فدخلت فيه أفواجا ومنذ أسلم حمزة نذر كل عافيته وبأسه وحياته لله ولدينه حتى وصفه النبي بهذا اللقب العظيم أسد الله وأسد رسوله
 
وأول سرية خرج فيها المسلمون للقاء العدو كان أميرها حمزة
وأول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين كانت لحمزة ويوم التقى الجمعان في غزوة بدر
كان أسد الله ورسوله هناك يصنع العجب العجاب عادت قريش من بدر الى مكة تتعثر في هزيمتها وخيبتها ورجع أبو سفيان مخلوع القلب وخلف على أرض المعركة جثث سادة قريش
من أمثال أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط والأسود بن عبدالله المخزومي والوليد بن عتبة والنفر بن الحارث والعاص بن سعيد وطعمة ابن عدي وعشرات من رجال قريش
 
وراحت قريش تعد عدتها وتحشد بأسها لتثأر لنفسها ولشرفها ولقتلاها وصممت قريش على الحرب وجاءت غزوة أحد حيث خرجت قريش على بكرة أبيها ومعها حلفاؤها من قبائل العرب
بقيادة أبي سفيان مرة أخرى وكان زعماء قريش يهدفون بمعركتهم الجديدة هذه الى رجلين اثنين الرسول صلى الله عليه وسلم وحمزة رضي الله عنه وأرضاه نعم والذي كان يسمع أحاديثهم ومؤامراتهم قبل الخروج للحرب يرى كيف كان حمزة
بعد الرسول هدف قريش اختاروا قبل الخروج رجل وكلوا اليه أمر حمزة وهو عبد حبشي كان ذا مهارة خارقة بقذف الحربة
جعلوا كل دوره بالمعركة يتصيد حمزة ويصوب اليه ضربه قاتله من رمحه
 
وحذروه من أن ينشغل عن هذه الغاية بشيء مهما يكن مصير المعركة واتجاه القتال ووعدوه بثمن غال وعظيم هو حريته
فقد كان الرجل واسمه وحشي عبدا لجبير بن مطعم وكان عم جبير لقي مصرعه يوم بدر فقال له جبير اخرج مع الناس وان أنت قتلت حمزة فأنت عتيق وأحالوه لهند بنت عتبة زوجة أبي سفيان لتزيده تحريضا ودفعا الى الهدف الذي يريدون وكانت هند فقدت في معركة بدر أباها وعمها وأخاها وابنها وحمزة هو الذي قتل هؤلاء فكانت أكثر القرشيين والقرشيات تحريضا للخروج للحرب لا لشيء الا لتظفر برأس حمزة مهما يكن الثمن الذي تتطلبه ولبثت أياما قبل الخروج للحرب ولا عمل لها الا افراغ كل حقدها في صدر وحشي ورسم الدور الذي عليه أن يقوم به وعدته ان نجح في قتل حمزة بأثمن ما تملكه من زينة أمسكت بأناملها الحاقدة بقرطها اللؤلؤي الثمين وقلائدها الذهبية التي تزدحم حول عنقها وقالت وعيناها تحدقان وحشي
كل هذا لك ان قتلت حمزة فسال لعاب وحشي وطارت خواطره مشتاقة للمعركة التي سيربح فيها حريته فلا يصير عبدا أو رقيقا وسيخرج منها بكل هذا الحلي الذي يزين عنق زعيمة نساء قريش  وزوجة زعيمها وابنة سيدها

كانت المؤمرة اذن وكانت الحرب كلها تريد حمزة رضي الله عنه بشكل واضح وحاسم حين جاءت غزوة أحد تلك ليس نهايه حمزة بل بدايه حياة حمزة ما اجملها حياة بظل الرحمن
نكمل بسم الله الرحمن الرحيم وتحملونى لطول المقال اعانكم الله وجاءت غزوة أحد والتقى الجيشان توسط حمزة أرض القتال مرتديا لباس الحرب وعلى صدره ريشة النعام التي تعود أن يزن بها صدره فى القتال راح يصول ويجول لا يرى رأسا مشركة الا وقطعها بسيفه
 
ومضى يضرب المشركين وكأن الرؤوس طوع أمره والمسلمون قاربوا النصر الحاسم وأخذت فلول قريش تنسحب مذعورة هاربة ولولا أن ترك الرماة مكانهم فوق الجبل ونزلوا لأرض المعركة ليجمعوا غنائم العدو لولا تركهم مكانهم وفتحوا الثغرة الواسعة لفرسان قريش لكانت غزوة أحد مقبرة لقريش كلها
رجالها ونسائها بل وخيلها وابلها دهم فرسانها المسلمين من ورائهم على حين غفلة واعملوا فيهم سيوفهم الظامئة المجنونة وراح المسلمون يجمعون أنفسهم من جديد ويحملون سلاحهم الذي كان بعضهم قد وضعه حين رأى جيش محمد ينسحب ويولي الأدبار
 
لكن المفاجأة كانت قاسية عنيفة ورأى حمزة ما حدث فضاعف قوته ونشاطه وبلاءه وأخذ يضرب عن يمينه وشماله وبين يديه ومن خلفه ووحشي هناك يراقبه ويتحين الفرصة الغادرة
ليوجه نحوه ضربته
 
ولندع وحشيا يصف لنا المشهد بكلماته كنت رجلا حبشيا
أقذف بالحربة فقلما أخطئ بها شيئا فلما التقى الفريقان خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدا ما يقف امام حمزة شىء فوالله اني لأتهيأ له أريده وأستتر منه بشجرة لأقتحمه أو ليدنو مني
اذ تقدمني اليه سباع بن عبد العزى فلما رآه حمزة صاح به
هلم الي يا بن مقطعة البظور وضربه فما أخطأ رأسه عندئذ هززت حربتي حتى اذا رضيت منها 
 
دفعتها فوقعت وخرجت من بين رجليه  ونهض نحوي فغلب على امره ومات وأتيته فأخذت حربتى ورجعت للمعسكر فقعدت فيه ولم يكن لي فيه حاجة  قتلته لأعتق وقدمت مكة فأعتقت
 
وأقمت بها حتى دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فهربت للطائف فلما خرج وفد الطائف لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم قلت الحق بالشام أو اليمن أو سواها
فوالله اني لفي ذلك من همي اذ قال لي رجل ويحك ان رسول الله والله لا يقتل أحد من الناس يدخل دينه فخرجت حتى قدمت
على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فلم يرني الا قائما أمامه وقلت أشهد شهادة الحق فلما رآني قال أوحشي أنت قلت نعم يا رسول الله قال فحدثني كيف قتلت حمزة
فحدثته فلما فرغت من حديثي قال ويحك غيب عني وجهك
فكنت ابتعد عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله اليه فلما خرج المسلمون
الى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة فلما التقى الاناس رأيت مسيلمة الكذاب قائما في يده السيف فتهيأت له وهززت حربتي حتى اذا رضيته منها دفعتها عليه فوقعت فيه فان كنت قد قتلت بحربتي
خير الناس حمزة فاني لأرجو أن يغفر الله اذ قتلت بها شر الناس مسيلمة 
 
هكذا سقط أسد الله ورسوله شهيدا مجيدا وكما كانت حياته مدوية  كانت موتته مدوية فلم يكتف أعداؤه بمقتله وكيف يكتفون أو يقتنعون وهم الذين جندوا كل أموال قريش وكل رجالها في هذه المعركة التي لم يريدوا بها سوى الرسول وعمه حمزة أمرت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان أمرت وحشيا أن يأتيها بكبد حمزة واستجاب الحبشي لهذه الرغبة المسعورة وعندما عاد بها الى هند كان يناولها الكبد بيمناه
ويتلقى منها قرطها وقلائدها بيسراه مكافأة له على انجاز مهمته ومضغت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان قائد جيوش الشرك الوثنية مضغت كبد حمزة لتشفي بتلك الحماقة حقدها وغلها لكن الكبد استعصت على أنيابها وأعجزتها أن تسيغها
فأخرجتها من فمها ثم علت صخرة مرتفعه وراحت تصرخ قائلة نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر ولا أخي وعمه وبكري شفيت نفسي وقضيت نذري أزاح وحشي غليل صدري وانتهت المعركة وامتطى المشركون ابلهم وساقوا خيلهم الى مكة

ونزل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه الى أرض المعركة لينظر شهداءها وهناك في بطن الوادي وهو يتفحص وجوه أصحابه الذين باعوا لله أنفسهم وقدموها قرابين مبرورة لربهم وقف فجأة ونظر وضغط على أسنانه وأسبل جفنيه فما كان يتصور قط أن يهبطوا على هذه الوحشية البشعة فيمثل بجثمان ميت على الصورة التي رأى فيها جثمان عمه الشهيد حمزة بن عبد المطلب أسد الله وسيد الشهداء وفتح الرسول عينيه التي تألق بريقهما كوميض الشرر وقال وعيناه على جثمان عمه لن اصاب بمثلك أبدا وما وقفت موقفا قط أغيظ الي من موقفي هذا
 
والتفت الى أصحابه وقال لولا أن تحزن صفية أخت حمزة
ويكون سنه من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع
وحواصل الطير ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم فصاح أصحاب الرسول
والله لئن ظفرنا بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب ولكن الله الذي أكرم حمزة بالشهادة يكرمه مرة أخرى بأن يجعل من مصرعه فرصة لدرس عظيم يحمي العدالة للأبد ويجعل الرحمة حتى في العقوبة والقصاص واجبا وفرضا 
 
وهكذا لم يكد رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرغ من القاء وعيده حتى جاءه الوحي وهو في مكانه لم يبرحه بهذه الآية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم " أدْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرين. اصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ. إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ " النحل 125 - 128
 
وكان نزول هذه الآيات في هذا الموطن خير تكريم لحمزة الذي وقع أجره على الله فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه أعظم الحب فهو كما ذكرنا من قبل لم يكن عمه الحبيب فحسب بل كان اخاه من الرضاعة وصديق العمر كله وفي لحظات الوداع هذه لم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم تحية يودعه بها خيرا من أن يصلي عليه بعدد الشهداء المعركة جميعا وهكذا حمل جثمان حمزة الى مكان الصلاة على أرض المعركة التي شهدت بلاءه واحتضنت دماءه فصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم جيء يشهيد آخر فصلى عليه الرسول ثم رفع وترك حمزة مكانه وجيء بشهيد ثاث فوضع الى جوار حمزة وصلى عليهما الرسول وهكذا جيء بالشهداء
شهيد بعد شهيد والرسول عليه الصلاة والسلام يصلي على كل واحد منهم وعلى حمزة معهم حتى صلى على عمه يومئذ سبعين صلاة
 
وينصرف الرسول من المعركة الي بيته فيسمع في طريقه نساء بني عبد الأشهل يبكين شهداءهن فيقول عليه الصلاة والسلام من فرط حنانه وحبه لكن حمزة لا بواكي له ويسمعها سعد بن معاذ فيظن أن الرسول عليه الصلاة والسلام يطيب نفسا اذا بكت النساء عمه فيسرع الى نساء بني عبد الأشهل ويأمرهن أن يبكين حمزة فيفعلن ولا يكاد الرسول يسمع بكاءهن حتى يخرج اليهن ويقول ما الى هذا قصدت ارجعن يرحمكن الله فلا بكاء بعد اليوم

ولقد ذهب أصحاب رسول الله يتبارون في رثاء حمزة 
فقال حسان بن ثابت دع عنك دارا قد عفا رسمها وابك على حمزة ذي النائل اللابس الخيل اذا أحجمت كالليث في غابته الباسل أبيض في الذروة من بني هاشم لم يمر دون الحق بالباطل مال شهيدا بين أسيافكم شلت يدا وحشي من قاتل

وقال عبد الله بن رواحة بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل على أسد الاله غداة قالوا أحمزة ذاكم الرجل القتيل أصيب المسلمون به جميعا هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى لك الأركان هدت وأنت الماجد البر الوصول
وقالت صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخت حمزة ولنا مقال عنها ان اذن الرحمن دعاه اله الحق ذو العرش دعوة الى جنة يحيا بها وسرور فذاك ما كنا نرجي ونرتجي لحمزة يوم الحشر خير مصير فوالله ما أنساك ما هبت الصبا بكاءا وحزنا محضري وميسري على أسد الله الذي كان مدرها يذود عن الاسلام كل كفور أقول وقد أعلى النعي عشيرتي جزى الله خيرا من أخ ونصير على أن خير رثاء عطر ذكراه

كانت كلمات رسول الله له حين وقف على جثمانه ساعة رآه بين شهداء المعركة وقال رحمة الله عليك فانك كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات
 
لقد كان مصاب النبي صلى الله عليه وسلم في عمه العظيم حمزة فادحا وكان العزاء فيه مهمة صعبه بيد أن الأقدر كانت تدخر لرسول الله أجمل عزاء ففي طريقه من أحد الى داره مر عليه الصلاة والسلام بسيدة من بني دينار استشهد في المعركة أبوها وزوجها وأخوها وحين أبصرت المسلمين عائدين من الغزو سارعت نحوهم تسألهم عن أنباء المعركة فنعوا اليها الزوج والأب والأخ واذا بها تسألهم في لهفة وماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا خيرا هو بحمد الله كما تحبين
قالت    
أرونيه حتى انظر اليه ولبثوا بجوارها حتى اقترب الرسول صلى الله عليه وسلم فلما راته قالت كل مصيبه بعدك أمرها يهون - نعم كان هذا أجمل عزاء وأبقاه ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم قد ابتسم لهذا المشهد الفريد فليس في دنيا البذل والولاء والفداء لهذا نظير لسيدة ضعيفة مسكينة تفقد في ساعة واحدة أباها وزوجها وأخاها ثم يكون ردها على الناعي
لحظة سمعها الخبر الذي يهد الجبال وماذا فعل رسول الله لقد كان مشهد أجاد الرحمن رسمه وتوقيته ليجعل منه للرسول صلى الله عليه وسلم عزاء أي عزاء في أسد الله وسيد الشهداء رحمة الله عليك يا حمزة والله فى علاه وانا ادون واجمع قصصكم صحابه رسول الله اتمنى من الله ان اوفى جزء من حقكم لكن هيهات وهيهات تلك منى كتابه فقط فما وفيت عشر من جزء من حقكم ايها الرجال ونعم الرجال كنتم لنا