السبت، 13 نوفمبر 2010

المقداد بن عمـــرو

رجل فاق الالف رجل عاصر بالجاهلية الأسود بن عبد يغوث فتبناه فصار يدعى المقداد بن الأسود  حتى اذا نزلت الآية الكريمة التي تنسخ التبني نسب لأبيه عمرو بن سعد والمقداد من المبكرين بالاسلام وسابع سبعة جاهروا باسلامهم وأعلنوه حاملا نصيبه من أذى قريش ونقمتها وسوف يظل موقفه يوم بدر لوحة رائعة
 
يقول عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم
لقد شهدت من المقداد مشاهد لأن أكون صاحبه أحب الي مما في الأرض جميعا في ذلك اليوم الذي بدأ عصيبا حيث أقبلت قريش في بأسها الشديد واصرارها العنيد وخيلائها وكبريائها
والمسلمون قلة لم يمتحنوا من قبل في قتال من أجل الاسلام
فهذه أول غزوة لهم يخوضونها ووقف الرسول يزيد ايمان من معه ويبلوا استعدادهم لملاقاة الجيش الزاحف عليهم في مشاته وفرسانه وراح يشاورهم في الأمر وأصحاب الرسول يعلمون أنه حين يطلب المشورة والرأي فانه يفعل ذلك حقا وطلب من كل واحد حقيقة اقتناعه وحقيقة رأيه فان قال قائلهم رأيا يغاير رأي الجماعة كلها ويخالفها فلا حرج عليه ولا تثريب
 
وخاف المقداد أن يكون بين المسلمين من له بشأن المعركة تحفظات وقبل أن يسبقه أحد بالحديث هم هو بالسبق ليصوغ بكلماته القاطعة شعار المعركة ويسهم في تشكيل ضميرها
ولكنه قبل أن يحرك شفتيه كان أبو بكر الصديق قد شرع يتكلم فاطمأن المقداد كثيرا وقال أبو بكر فأحسن وتلاه عمر بن الخطاب فقل وأحسن ثم تقدم المقداد وقال يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون بل نقول لك
اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون والذي بعثك بالحق
لو سرت بنا الى برك العماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه
ولنقاتلن عن يمينك وعن يسارك وبين يديك ومن خلفك حتى يفتح الله لك
 
انطلقت الكلمات كالرصاص المقذوف وانار بضياء وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشرق فمه عن دعوة صالحة دعاها للمقداد وسرت في الحشد الصالح المؤمن حماسة الكلمات الفاضلة التي أطلقها المقداد بن عمرو والتي حددت بقوتها واقناعها نوع القول لمن أراد قولا وطراز الحديث لمن يريد حديثا بلغت كلمات المقداد غايتها من أفئدة المؤمنين
 
فقام سعد بن معاذ زعيم الأنصار وقال يا رسول الله لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك
والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا
انا لصبر في الحرب صدق في اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقر عينك فسر على بركة الله
 
وامتلأ قلب الرسول بشرا وقال لأصحابه سيروا وأبشروا
والتقى الجمعان وكان من فرسان المسلمين يومئذ ثلاثة لا غير المقداد بن عمرو - ومرثد بن أبي مرثد - والزبير بن العوام
بينما كان بقية المجاهدين مشاة أو راكبين ابلا
 
كلمات المقداد التي مرت بنا من قبل لا تصور شجاعته فحسب
بل تصور لنا حكمته الراجحة وتفكيره العميق وكذلك كان المقداد فكان حكيما ولم تكن حكمته تعبر عن نفسها في مجرد كلمات بل تعبر عن مبادئ وسلوك قويم وكانت تجاربه قوتا لحكمته وفطنته وولاه الرسول صلى الله عليه وسلم على احدى الولايات يوما فلما رجع سأله النبي كيف وجدت الامارة فأجاب في صدق عظيم جعلتني أنظر الى نفسي كما لو كنت فوق الناس وهم جميعا دونى والذى بعثك بالحق لا اتآمرن على اثنين بعد اليوم ابدا 
 
اذا لم تكن هذه الحكمة فماذا تكون واذا لم يكن هذا هو الحكيم فمن يكون رجل لا يخدع عن نفسه يولى الامارة فيغشى نفسه الزهو والصلف ويكتشف في نفسه هذا الضعف فيقسم ليجنبها 
وليرفض الامارة بعد تلك التجربة ثم يبر بقسمه فلا يكون أميرا بعد ذلك أبدا لقد كان دائب التغني بحديث سمعه من رسول الله
صلى الله عليه وسلم ان السعيد لمن جنب الفتن واذا كان قد رأى في الامارة زهوا يفتنه أو يكاد يفتنه فان سعادته اذن في تجنبها ومن مظاهر حكمته طول أناته في الحكم على الرجال
وهذه أيضا تعلمها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد علمهم أن قلب ابن آدم أسرع تقلبا من القدر حين تغلي
 
وكان المقداد يرجئ حكمه الأخير على الناس الى لحظة الموت
ليتأكد أن هذا الذي يريد أن يصدر عليه حكمه لن يتغير ولن يطرأ على حياته جديد وأي تغير أو أي جديد بعد الموت
وتتألق حكمته خلال هذا الحوار الذي ينقله الينا أحد أصحابه وجلسائه يقول جلسنا الى المقداد يوما فمر به رجل فقال مخاطبا المقداد طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لوددنا لو رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت
فأقبل عليه المقداد وقال ما يحمل أحدكم على أن يتمنى مشهدا غيبه الله عنه  لا يدري لو شهده كيف كان يصير فيه والله لقد عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام كبهم الله عز وجل
 على مناخرهم في جهنم أولا تحمدون الله الذي جنبكم مثلا بلائهم وأخرجكم مؤمنين بربكم ونبيكم 
 
حكمة وأية حكمة انك لا تلتقي بمؤمن يحب الله ورسوله او آمة من عباد الله الصالحين الا ووجدتهم يتمنوا لو عاشوا عصر الرسول صلى الله عليه وسلم لكن بصيرة المقداد الحاذق الحكيم تكشف البعد المفقود في هذه الأمنية ألم يكن من المحتمل لهذا الذي يتمنى لو أنه عاش تلك الأيام أن يكون من أصحاب الجحيم
ألم يكون من المحتمل أن يكفر مع الكافرين وأليس من الخير اذن أن يحمد الله الذي رزقه الحياة في عصور استقر فيها الاسلام فأخذه صفوا عفوا هذه نظرة المقداد تتألق حكمة وفطنة
وفي كل مواقفه وتجاربه وكلماته كان الأريب الحكيم
كان حب المقداد للاسلام عظيما كان الى جانب ذلك واعيا حكيما والحب حين يكون عظيما وحكيما فانه يجعل من صاحبه انسانا عليا لا يجد غبطة هذا الحب في ذاته بل في مسؤولياته
والمقداد بن عمرو من هذا الطراز فحبه للرسول صلى الله عليه وسلم ملأ قلبه وشعوره بمسؤولياته عن سلامة الرسول لم يكن تسمع في المدينة فزعة الا ويكون المقداد في مثل لمح البصر
واقفا على باب رسول الله ممتطيا صهوة فرسه ممتشقا مهنده وسيفه 
 
حبه للاسلام كان شديد وحماية الاسلام عنده ليس فقط من كيد أعدائه بل ومن خطأ أصدقائه فخرج يوما في سرية تمكن العدو فيها من حصارهم فأصدر أمير السرية أمره بألا يرعى أحد دابته ولكن أحد المسلمين لم يحط بالأمر خبرا خالفه فتلقى من الأمير عقوبة أكثر مما يستحق او لعله لا يستحقها على الاطلاق
فمر المقداد بالرجل يبكي ويصيح متالما فسأله عما به فأنبأه ما حدث فأخذ المقداد بيمينه ومضيا صوب الأمير وراح المقداد يناقشه حتى كشف له خطأه وقال له والآن أقده من نفسك ومكنه من القصاص وأذعن الأمير لكن الجندي عفا وصفح وانتشى المقداد بعظمة الموقف وبعظمة الدين الذي أفاء عليهم هذه العزة
فراح يقول وكأنه يغني أموتن والاسلام عزيز
أجل تلك كانت أمنيته أن يموت والاسلام عزيز
ولقد ثابر مع المثابرين على تحقيق هذه لأمنية مثابرة باهرة جعلته أهلا لأن يقول له الرسول عليه الصلاة والسلام ان الله أمرني بحبك 
وأنبأني أنه يحبك