الأحد، 19 سبتمبر 2010

السيرة النبوية العطرة

العرب قبل الاسلام

كان العرب بشبه الجزيرة العربية قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم يعبدون الأصنام من دون الله ويقدمون لها القرابين ويسجدون لها ويتوسلون بها وهي أحجار لا تضر ولا تنفع وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما

ومن عجيب أمرهم أن أحدهم كان يشتري العجوة ويصنع منها صنما ويعبده ويسجد له ويسأله أن يحجب عنه الشر ويجلب له الخير وإذا شعر بالجوع أكل إلهه ويأخذ كأسا خمر يشربها حتى يفقد وعيه 
وفي ذلك الزمان كانت تحدث أشياء غريبة وعجيبة فالناس يطوفون عرايا حول الكعبة وقد تجردوا من ملابسهم بلا حياء يصفقون ويصفرون ويصيحون بلا نظام وقد وصف الله عز وجل صلاتهم فقال تعالى " وما كان صلاتهم عند البيت
إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون" الأنفال35

كانت الحروب تقوم بينهم لأتفه سبب وتستمر مشتعلة أعوامًا طويلة فهذان رجلان يقتتلان فيجتمع الناس حولهما وتناصر كل قبيلة صاحبها لم يسألوا عن الظالم ولا المظلوم وتقوم الحرب في لمح البصر ولا تنتهي حتى يموت الرجال 
وانتشرت بينهم العادات السيئة مثل شرب الخمر وقطع الطرق والزنا . كانت بعض القبائل تهين المرأة وينظرون لها باحتقار فهي باعتقادهم عار كبير عليهم ويتخلصوا منها كان الرجل منهم إذا ولدت له أنثى حزن حزنًا شديدًا
قال تعالى " وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم يتواري من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه علي هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون "  النحل 58-59

وصل به الأمر إلى أنه يدفنها وهي حية وهي عادة عرفت عندهم بوأد البنات هذا رجل يحمل طفلته ويسير بها للصحراء فوق الرمال المحرقة ويحفر حفرة ويضع ابنته فيها وهي حية ولا تستطيع الطفلة البريئة أن تدافع عن نفسها بل تناديه أبتاه أبتاه ولا يرحم براءتها ولا ضعفها ولا يستجيب لندائها 
بل يهيل عليها الرمال ثم يمشي رافعًا رأسه كأنه لم يفعل شيئًا قال تعالى " وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت "

وليس هذا الأمر عامًا بين العرب فقد كانت بعض القبائل تمنع وأد البنات وكان الظلم ينتشر بالمجتمع فالقوى لا يرحم الضعيف والغني لا يعطف على الفقير بل يسخره لخدمته
وإن أقرضه مالا فإنه يقرضه بالربا فإذا اقترض الفقير دينارًا يرده دينارين فيزداد فقرًا ويزداد الغني ثراء

كانت القبائل متفرقة لكل قبيلة رئيس وهم لا يخضعون لقانون منظم ومع كل هذا الجهل والظلام بذلك العصر المسمى بالعصر الجاهلي كانت هناك القليل من الصفات الطيبة والنبيلة كإكرام الضيف . فإذا جاء ضيف لأحدهم بذل له كل ما عنده ولم يبخل عليه بشىء فها هو ذا حاتم الطائي لم يجد ما يطعم به ضيوفه فذبح فرسه وكانوا يأكلون لحم الخيل وأطعمهم قبل أن يأكل هو

وينصرون المستغيث إذا نادى إنسان وقال إني مظلوم اجتمعوا حوله وردوا له حقه وقد حدث ذات مرة أن جاء رجل يستغيث وينادي بأعلى صوته بزعماء قريش أن ينصروه على العاص بن وائل الذي اشترى منه بضاعته ورفض أن يعطيه ثمنها فتجمع زعماء قريش بدار عبد الله بن جدعان وتحالفوا على أن ينصروا المظلوم ويأخذوا حقه من الظالم وسموا ذلك الاتفاق حلف الفضول وذهبوا للعاص بن وائل وأخذوا ثمن البضاعة وأعطوه لصاحبه

وفي هذا المجتمع ولد محمد صلى الله عليه وسلم من أسرة كريمة المعدن نبيلة النسب جمعت ما في العرب من فضائل
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشًا من كنانة واصطفي من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم - رواه مسلم



نسب النبى


هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الذي يصل نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام

جده هاشم وحكاية الثريد


كان عمرو بن عبد مناف الجد الأكبر للرسول صلى الله عليه وسلم رجلا كريمًا حدث بعصره نزل القحط بالناس فلم يجدوا ما يأكلون وكادوا يموتون جوعا وبدأ كل إنسان يفكر بنجاة نفسه فقط فالذي عنده طعام يحرص عليه ويحجبه عن الناس فذهب عمرو لبيته وأخرج ما عنده من الطعام وأخذ يهشم الثريد ( أي يكسر الخبز بالمرق ) لقومه ويطعمهم فسموه هاشما لأنه كريم يهشم ثريده للناس جميعًا

عندما ضاق الرزق بمكة أراد هاشم أن يخفف عن أهلها
فسافر للشام صيفًا ولليمن شتاء من أجل التجارة وكان أول من علم الناس هاتين الرحلتين وفي إحدى الرحلات وبينما هاشم بطريقه للشام مر بيثرب فتزوج سلمى بنت عمرو إحدى نساء بني النجار وتركها وحملت بابنه عبد المطلب وولدت بين أهلها الذين اشترطوا عليه ذلك عند زواجه منها


جده عبد المطلب وحكاية الكنز


كان عبد المطلب بن هاشم جد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يسقي الحجيج الذين يأتون للطواف حول الكعبة ويقوم برعاية بيت الله الحرام فالتف الناس حوله وكان زعيمهم وأشرفهم

وكان عبد المطلب يتمنى لو عرف مكان بئر زمزم ليحفرها
لأنها كانت قد ردمت بمرور السنين ولم يعد أحد يعرف مكانها فرأى بمنامه ذات ليلة مكان بئر زمزم فأخبر قومه بذلك لكنهم لم يصدقوه فبدأ عبد المطلب بحفر البئر هو وابنه الحارث والناس يسخرون منهما

بينما هما يحفران تفجر الماء من تحت أقدامهما والتف الناس حول البئر مسرورين وظن عبد المطلب أنهم سيشكرونه لكنه فوجئ بهم ينازعونه امتلاك البئر فشعر بالظلم والضعف لأنه ليس له أبناء إلا الحارث وهو لا يستطيع نصرته فإذا به يرفع يديه للسماء يدعو الله أن يرزقه عشرة أبناء من الذكور ونذر أن يذبح أحدهم تقربًا لله



حكاية الأبناء العشرة


استجاب الله دعوة عبد المطلب ورزقه عشرة أولاد وشعر
عبد المطلب بالفرحة فقد تحقق رجاؤه ورزق بأولاد سيكونون له سندًا وعونًا . لكن فرحته لم تستمر طويلا وتذكر النذر الذي قطعه على نفسه فعليه أن يذبح واحدا من أولاده

فكر عبد المطلب طويلا وترك الاختيار لله تعالى فأجرى قرعة بين أولاده فخرجت القرعة على عبد الله أصغر أولاده وأحبهم لقلبه فأصبح عبد المطلب في حيرة أيذبح ولده الحبيب أم يعصى الله ولا يفي بنذره  ؟

فاستشار قومه فأشاروا عليه أن يعيد القرعة فأعادها مرارا لكن القدر كان يختار عبد الله بكل مرة فازداد قلق عبد المطلب فأشارت عليه كاهنة أن يفتدي ولده بالإبل ويجري القرعة بين عبد الله وعشرة ابل ويظل يضاعف عددها حتى تستقر القرعة على الإبل بدلا من ولده فعمل عبدالمطلب بنصيحة الكاهنة

واستمر بمضاعفة عدد الإبل حتى بلغت مائة بعير وعندئذ وقعت القرعة عليها وذبحها فداء لعبد الله وفرحت مكة كلها بنجاة عبد الله . وذبح له والده مائة ناقة فداء له وازداد عبد المطلب حبا لولده وغمره بعطفه ورعايته



أبوه عبد الله وزواجه من السيدة آمنة



كان عبد الله أكرم شباب قريش أخلاقا وأجملهم منظرا وأراد والده عبد المطلب أن يزوجه واختار له زوجة صالحة هي السيدة آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة أطهر نساء بني زهرة وسيدة نسائهم والسيدة آمنة تلتقي بنسبها مع عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم في كلاب بن مرة . تمر الأيام يخرج عبد الله في تجارة للشام بعد أن ترك زوجته آمنة حاملا ولحكمة يعلمها الله مات عبد الله قبل أن يرى وليده



حكاية الفيل


ذات يوم استيقظ أهل مكة على خبر أصابهم بالفزع والرعب
فقد جاء ملك اليمن أبرهة الأشرم الحبشي بجيش كبير يتقدمه فيل ضخم يريد هدم الكعبة ليتحول الحجيج لكنيسته التي بناها في اليمن وأنفق عليها أموالا كثيرة واقترب الجيش من بيت الله الحرام

ظهر الخوف والهلع على وجوه أهل مكة التف الناس حول عبدالمطلب الذي قال لأبرهة بلسان الواثق بنصر الله تعالى للبيت رب يحميه

فازداد أبرهة عنادا وأصرعلى هدم الكعبة فوجه الفيل الضخم نحوها ولما اقترب منها أدار الفيل ظهره ولم يتحرك وأرسل الله طيورا من السماء تحمل حجارة صغيرة لكنها شديدة صلبة ألقت بها فوق رءوس جنود أبرهة فقتلتهم وأهلكتهم
قال تعالى " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل.ألم يجعل كيدهم في تضليل .وأرسل عليهم طيرًا أبابيل .ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول "     
في هذا العام ولد الرسول صلى الله عليه وسلم


ميلاد الرسول وطفولته


في يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول الذي يوافق عام 175م  ولدت السيدة آمنة بنت وهب زوجة عبد الله 
بن عبد المطلب غلاما جميلا مشرق الوجه وخرجت ثويبة الأسلمية خادمة عبد المطلب جد النبى صلى الله عليه وسلم  هرولت لسيدها ووجهها ينطق بالسعادة ووصلت له وهمست بالبشرى فتهلل وجهه وقال لها من فرط سروره اذهبي فأنت حرة

أسرع عبد المطلب لبيت ابنه عبد الله وخرج حاملا الوليد الجديد ودخل به الكعبة مسرورا كأنه يحمل بيديه كل نعيم الدنيا وأخذ يضمه لصدره ويقبله بحنان بالغ ويشكر الله ويدعوه وألهمه الله أن يطلق على حفيده اسم محمد


حكاية مرضعة الرسول صلى الله عليه وسلم


جاءت المرضعات من قبيلة بني سعد لمكة ليأخذن الأطفال الرضع للبادية لينشئوا هناك أقوياء فصحاء قادرين على مواجهة أعباء الحياة وكانت كل مرضعة تبحث عن رضيع
من أسرة غنية ووالده حي ليعطيها مالاً كثيرًا

لذلك رفضت كل المرضعات أن يأخذن محمدًا صلى الله عليه وسلم لأنه يتيم وأخذته السيدة حليمة السعدية لأنها لم تجد رضيعًا غيره . وعاش محمد صلى الله عليه وسلم بقبيلة بني سعد فكان خيرًا وبركة على حليمة وأهلها حيث اخضرت أرضهم بعد الجدب والجفاف وجرى اللبن في ضروع الإبل



حكاية شق الصدر


في بادية بني سعد وقعت حادثة غريبة خرج محمد صلى الله عليه وسلم ذات يوم ليلعب مع أخيه بالرضاعة ابن حليمة السعدية وأثناء لعبهما ظهر رجلان فجأة واتجها لمحمد صلى الله عليه وسلم فأمسكاه وأضجعاه بالأرض وشقا صدره وكان أخوه بالرضاعة يشاهد عن قرب ما يحدث له فأسرع نحو أمه يصرخ ويحكى لها ما حدث

فأسرعت حليمة السعدية مذعورة حيث يوجد الغلام القرشي هو أمانة عندها وتخشى عليه أن يصاب بسوء لكنها بعكس ما تصورت وجدته واقفًا وحده وقد تأثر بما حدث اصفر لونه فضمته في حنان لصدرها وعادت به إلى البيت
سألته حليمة ماذا حدث لك يا محمد ؟ فأخذ يقص عليها 
ما حدث . وقد كان هذان الرجلان ملكين من السماء أرسلهما الله تعالى ليطهرا قلبه ويغسلاه حتى يتهيأ للرسالة العظيمة التي سيكلفه الله بها

خافت حليمة على محمد حملته لأمه بمكة وأخبرتها بما حدث لابنها فقالت لها السيدة آمنة بثقة أتخوفت عليه الشيطان ؟ فأجابتها حليمة نعم . قالت السيدة آمنة كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل وإن لابني لشأنا لقد رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي به قصور الشام وكان حمله يسيرا
فرجعت به حليمة لقومها وزال الخوف من قلبها وظل عندها حتى بلغ عمره خمس سنوات وعاد لأمه بمكة 


رحلة محمد صلى الله عليه وسلم مع أمه إلى يثرب

ذات يوم خرجت السيدة آمنة ومعها طفلها محمد وخادمتها أم أيمن من مكة متوجهة ليثرب لزيارة قبر زوجها عبد الله وفاء له وليعرف محمد قبر أبيه ويزور أخوال جده من بني النجار

كان الجو شديد الحر وتحملت أعباء الرحلة الطويلة الشاقة ظلت السيدة آمنة شهرا بالمدينة وأثناء عودتها مرضت وماتت وهي بالطريق بمكان يسمى الأبواء دفنت فيه . وعادت أم أيمن لمكة بالطفل محمد يتيما وحيدا وعاش مع جده عبد المطلب وكان عمر محمد ست سنوات


محمد صلى الله عليه وسلم في كفالة جده عبد المطلب


بعد وفاة السيدة آمنة عاش محمد صلى الله عليه وسلم بظل كفالة جده عبد المطلب الذي امتلأ قلبه بحب محمد وكان يؤثر أن يصحبه بمجالسه العامة ويجلسه على فراشه بجوار الكعبة
ولكن عبد المطلب فارق الحياة ومحمد في الثامنة من عمره


محمد صلى الله عليه وسلم في كفالة عمه أبي طالب


وتكفل به بعد وفاة جده عمه أبو طالب وقام بتربيته ورعايته هو وزوجته فاطمة بنت أسد وأخذه مع أبنائه رغم أنه لم يكن أكثر أعمام النبي صلى الله عليه وسلم مالا لكنه كان أكثرهم نبلا وشرفًا . وزاد عطفه على محمد صلى الله عليه وسلم حتى إنه كان لا يجلس بمجلس إلا وهو معه ويناديه بابنه من شدة حبه له


رحلة إلى الشام

خرج محمد صلى الله عليه وسلم مع عمه أبو طالب برحلة للشام بقوافل تجارية وعمره اثنا عشر عاما تحركت القافلة ومضت بطريقها ووصلت لبلدة اسمها بصرى وأثناء سيرها مرت بكوخ يسكنه راهب اسمه بحيرى ولما رأى القافلة خرج لها ودقق النظر بوجه محمد صلى الله عليه وسلم طويلا 
وقال لأبي طالب ما قرابة هذا الغلام منك  ؟
فقال أبوطالب هو ابني وكان يدعوه بابنه حبا له
قال بحيرى ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون هذا الغلام أبوه حيا . قال أبو طالب هو ابن أخي . سأله بحيرى ما فعل أبوه ؟
قال أبو طالب مات وأمه حبلى به ؟ . فقال له بحيرى صدقت ارجع به لبلده واحذر عليه اليهود فوالله لئن رأوه هنا ليوقعون به شرا فإنه سيكون لابن أخيك هذا شأن عظيم

فأسرع أبو طالب بالعودة لمكة وبصحبته ابن أخيه محمد


النبى فى شبابه 

كان الشباب بمكة يلهون أما محمد صلى الله عليه وسلم كان يعمل ولا يتكاسل يرعى الأغنام طوال النهار ويتأمل الكون ويفكر في خلق الله وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أوتي النبوة ذلك العمل . فقال ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم . فقال أصحابه وأنت ؟ قال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة -  رواه البخاري

كان الله سبحانه وتعالى يحرسه ويرعاه على الدوام ذات يوم فكر أن يلهو كما يلهو الشباب وطلب من صاحب له أن يحرس أغنامه حتى ينزل مكة ويشارك الشباب بلهوهم وعندما وصل لها وجد حفل زواج فوقف عنده فسلط الله عليه النوم ولم يستيقظ إلا بصباح اليوم التالي
وعندما كانت قريش تجدد بناء الكعبة كان محمد صلى الله عليه وسلم ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره فقال له العباس عمه اجعل إزارك على رقبتك يقيك الحجارة ففعل فخر إلى الأرض وجعل ينظر بعينيه إلى السماء ويقول إزاري .. إزاري فشد عليه فما رؤى بعد ذلك عريان
التاجر الأمين




حين تجاوز النبي صلى الله عليه وسلم العشرين من عمره
أُتيحت له فرصة السفر مع قافلة التجارة للشام ففي مكة كان الناس يستعدون لرحلة الصيف التجارية إلى الشام وكل منهم يعد راحلته وبضاعته وأمواله وكانت السيدة خديجة بنت خويلد وهي من أشرف نساء قريش وأكرمهن أخلاقًا وأكثرهن مالا تبحث عن رجل أمين يتاجر لها في مالها ويخرج به مع القوم

فسمعت عن محمد وأخلاقه العظيمة ومكانته عند أهل مكة جميعا واحترامهم له لأنه صادق أمين واتفقت معه أن يتاجر لها مقابل مبلغ من المال فوافق محمد صلى الله عليه وسلم وخرج مع غلام لها اسمه ميسرة للشام تحركت القافلة بطريقها إلى الشام وبعد أن قطع القوم المسافات الطويلة نزلوا ليستريحوا بعض الوقت وجلس محمد صلى الله عليه وسلم تحت شجرة وعلى مقربة منه صومعة راهب وما إن رأى الراهب محمدًا صلى الله عليه وسلم حتى أخذ ينظر إليه ويطيل النظر وسأل ميسرة من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجر وقال ميسرة هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي

وباعت القافلة كل تجارتها واشترت ما تريد من البضائع
وكان ميسرة ينظر لمحمد ويتعجب بسماحته وأخلاقه والربح الكبير الذي حققه لمال السيدة خديجة

في طريق العودة حدث أمر عجيب كانت هناك غمامة بالسماء تظل محمدًا وتقيه الحر كان ميسرة ينظر لذلك المشهد وبدت بوجهه علامات الدهشة والتعجب وأخيرا وصلت القافلة لمكة وخرج الناس لاستقبالها مشتاقين كل منهم يريد الاطمئنان على أمواله وما تحقق له من ربح . وحكى ميسرة لسيدته خديجة ما رأى من أمر محمد

فقد أخبرها بما قاله الراهب وبالغمامة التي كانت تظل محمدًا بالطريق لتقيه من الحر دون سائر أفراد القافلة

زواج محمد صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة

استمعت السيدة خديجة لميسرة بدهشة وتأكدت من أمانة محمد صلى الله عليه وسلم وحسن أخلاقه فتمنت أن تتزوجه فأرسلت السيدة خديجة صديقتها نفيسة بنت منبه لتعرض على محمد الزواج فوافق محمد صلى الله عليه وسلم على هذا الزواج وكلم محمد أعمامه الذين رحبوا وافقوا على الزواج وساروا إلى السيدة خديجة يريدون خطبتها ولما انتهوا لدار خويلد قام أبو طالب عم النبي وكفيله يخطب خطبة العرس فقال الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا أمناء بيته وسواس حرمه وجعلنا الحكام على الناس

ثم إن ابن أخي محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل شرفًا ونبلاً وفضلاً وإن كان في المال قلا فإن المال ظل زائل وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من الصداق ما عاجله وآجله من مالي كذا وكذا وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وجليل

تزوج النبي صلى الله عليه وسلم السيدة خديجة وعاشا معا حياة طيبة موفقة ورزقهما الله تعالى البنين والبنات وأنجبت له ستة أولاد هم زينب ، ورقية ، وأم كلثوم، وفاطمة
وعبد الله ، والقاسم وبه كان يكنى الرسول فيقال أبو القاسم

بناء الكعبة وقصة الحجر الأسود

اجتمعت قريش لإعادة بناء الكعبة
وأثناء البناء اختلفوا فيمن ينال شرف وضع الحجر الأسود بمكانه واشتد الخلاف بينهم وكاد يتحول لحرب بين قبائل قريش ولكنهم تداركوا أمرهم وارتضوا أن يحكموا أول داخل عليهم وانتظر القوم وكل واحد يسأل نفسه ترى من سيأتي الآن ؟ ولمن سيحكم ؟

وفجأة تهللت وجوههم بالفرحة والسرور عندما رأوا محمدًا يقبل عليهم فكل واحدٍ منهم يحبه ويثق بعدله وأمانته ورجاحة عقله وسداد رأيه فهتفوا هذا الأمين قد رضيناه حكما وعرضوا عليه الأمر وطلبوا منه أن يحكم بينهم فخلع الرسول صلى الله عليه وسلم رداءه ووضع الحجر عليه وأمر رؤساء القبائل فرفعوا الثوب وأوصلوا الحجر لمكانه من الكعبة عندئذ حمله الرسول صلى الله عليه وسلم  بيده الشريفة ووضعه مكانه وهكذا كفاهم الله شر القتال
 الوحى


كان محمد صلى الله عليه وسلم يكثر الذهاب لغار حراء يجلس وحده فيه أيامًا ولياليها يفكر بخالق هذا الكون بعيدا عن الناس وما يفعلونه من آثام وكان يمشي تلك المسافة الطويلة ويصعد الجبل العالي ثم يعود إلى مكة ليتزود بالطعام ويرجع للغار وظل مدة لا يرى رؤيا إلا وتحققت كما رآها . وبدأت تحدث له أشياء عجيبة لا تحدث لأي إنسان آخر كان بمكة حجر يسلم عليه كلما مر به قال صلى الله عليه وسلم إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن - رواه مسلم

كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس ذات يوم بالغار وإذا بجبريل عليه السلام ينزل عليه في صورة رجل ويقول له اقرأ وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف القراءة ولا الكتابة خاف وارتعد وقال ما أنا بقارئ وإذا بجبريل عليه السلام يضم النبي صلى الله عليه وسلم له بشدة ثم يتركه ويقول له اقرأ فقال محمد ما أنا بقارئ وتكرر ذلك مرة ثالثة فقال جبريل 
" اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم  سورة العلق 1-3

وكانت تلك أولى آيات القرآن التي نزلت بشهر رمضان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في السنة الأربعين من عمره رجع محمد صلى الله عليه وسلم لبيته مسرعًا وهو يرتعش طلب من زوجته أن تغطيه قائلا زملونى ، زملونى وحكى لها ما رآه في الغار

وطمأنته السيدة خديجة وقالت له كلا والله لا يخزيك الله أبدًا
إنك لتصل الرحم وتحمل الكلَّ ( الضعيف )  وتكسب المعدوم وتقري ( تكرم  ) الضيف وتعين على نوائب الحق فلما استمع النبي صلى الله عليه وسلم كلام السيدة خديجة وعادت إليه الطمأنينة وزال عنه الخوف والرعب وبدأ يفكر فيما حدث



 حكاية ورقه بن نوفل



كان للسيدة خديجة ابن عم اسمه ورقة بن نوفل على علم بالديانة المسيحية ذهبت له ومعها زوجها ليسألاه عما حدث
فقالت خديجة لورقة يابن عم اسمع من ابن أخيك فقال ورقة 
يا بن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بالذي حدث في غار حراء

فلما سمعه ورقة قال هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى وأخبره ورقة أنه يتمنى أن يعيش حتى ينصره ويكون معه عندما يحاربه قومه ويخرجونه من مكة

ولما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم تعجب 
وسأل ورقة قائلا أو مخرجي هم ؟ فقال له نعم لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي . ومنذ ذلك اليوم والرسول صلى الله عليه وسلم يزداد شوقا لوحي السماء الذي تأخر نزوله عليه بعد هذه المرة الاولى بالغار


عودة الوحي


بعد فترة وبينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي إذا به يسمع صوتا فرفع وجهه للسماء ورأى الملك الذي جاءه بغار حراء جالسا على كرسي بين السماء والأرض ارتعد الرسول صلى الله عليه وسلم من هول المنظر وأسرع للمنزل وطلب من زوجته أن تغطيه قائلا دثرونى . دثرونى

وإذا بجبريل ينزل إليه بهذه الآيات التي يوجهها الله إليه
" يا أيها المدثر . قم فأنذر . وربك فكبر . وثيابك فطهر . والرجز فاهجر "  المدثر 1-5
وفي هذه الآيات كان التكليف من الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يبدأ فى دعوة الناس


الدعوة إلى الإسلام سرا

 

كان الناس بمكة يعبدون الأصنام منذ زمن بعيد وقد ورثوا عبادتها عن آبائهم وأجدادهم وبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الإسلام سرا بدأ بأقرب الناس إليه آمنت به زوجته خديجة بنت خويلد وآمن أيضا ابن عمه علي بن أبي طالب وكان غلاما في العاشرة من عمره وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يقوم بتربيته

وكان صديقه أبو بكر أول الذين آمنوا به من الرجال وكان ذا مكانة عظيمة بين قومه يأتي الناس إليه ويجلسون معه واستغل أبو بكر مكانته هذه وأخذ يدعو من يأتي إليه ويثق فيه للإسلام فأسلم على يديه عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان والزبير ابن العوام وطلحة بن عبيد الله .. وغيرهم

لم تكن الصلاة فرضت في ذلك الوقت بالكيفية التي نعرفها 
لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وأصحابه الذين أسلموا سرا ركعتين قبل طلوع الشمس وركعتين قبل الغروب وذلك بمكان بعيد عن أعين الكفار

ذات يوم كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه بشعب من شِعَابِ مكة إذ أقبل عليهم أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم والذي لم يؤمن برسالته فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يصلون سأله عن هذا الدين الجديد فأخبره الرسول صلى الله عليه وسلم به لأنه يثق بعمه ويأمل أن يدخل الإسلام ولكن أبا طالب رفض أن يترك دين آبائه وأجداده وطمأن النبي صلى الله عليه وسلم وتعهد بحمايته من أعدائه وأوصى ابنه عليا أن يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم

استمر الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو قومه سرا وعدد المسلمين يزداد يوما بعد يوم ويقوى الإيمان بقلوبهم بما ينزله الله عليهم من القرآن الكريم وظلوا هكذا ثلاث سنوات

وللمقال بقية