اليهود ونقض العهد
لم يحترم اليهود عهودهم مع النبي صلى الله عليه وسلم
فحاولوا إشعال الفتنة بين صفوف المسلمين فهذا شاس بن قيس اليهودي أرسل فتى من فتيان اليهود يذكر الأنصار بما كان بينهم في الجاهلية ففعل الفتى حتى كادوا أن يتقاتلوا
فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ونهاهم عن العودة إلى الجاهلية وذكرهم بالإسلام والحب الذي ربط الله به قلوبهم فعادوا إلى رشدهم وصوابهم
ولما نصر الله رسولَه والمسلمين على المشركين في غزوة بدر حسدتهم اليهود على ما أنعم الله تعالى به عليهم فقال فنحاص اليهودي لا يغرن محمدًا أن غلب قريشًا وقتلهم إن قريشًا لا تحسن القتال فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله
جمع اليهود في سوق بني قينقاع وحذرهم من الغدر ودعاهم إلى الإسلام وذكرهم بما عندهم من العلم برسالته ونبوته
فقال لهم احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم فقالوا يا محمد إنك ترى أنا كقومك ؟
لا يغرنك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب فأصبت فرصة
أما والله لئن حاربتنا لتعلمن أنا نحن الناس
فأنزل الله سبحانه على نبيه من القرآن ما يجيبهم به ويرد عليهم ما قالوا وما بغوا فقال تعالى " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد . قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار " آل عمران 12-13
إن كلام اليهود هذا تهديد واضح للرسول صلى الله عليه وسلم بالحرب وتأكيد لنقضهم للمعاهدة التي بينهم وبينه ومع ذلك فقد صبر عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنهم أصروا على نقضهم للعهد
طرد يهود بني قينقاع من المدينة
ذات يوم ذهبت امرأة مسلمة إلى سوق بني قينقاع لبيع ذهب معها فاحتال عليها اليهود لتكشف وجهها فأبت فأخذ الصائغ طرف ثوبها وربطه إلى ظهرها وهي لا تعلم فلما قامت انكشفت عورتها وأخذوا يضحكون منها فصاحت المرأة تستغيث بعد أن طعنت في كرامتها وامحمداه فوثب رجل مسلم على اليهودي الذي أهان المرأة فقتله فقام اليهود بقتل ذلك المسلم فكان شهيدًا في سبيل الله فقامت الحرب بين المسلمين واليهود بسبب غدرهم ووقاحتهم وسوء أدبهم
فلما علم بنو قينقاع بقدوم المسلمين فروا إلى حصونهم واختبئوا فيها فحاصرهم المسلمون وحبسوهم في حصونهم
واستمر هذا الحصار خمسة عشر يومًا بعدها اضطر اليهود إلى أن يفتحوا الحصون ويستسلموا رعبًا وخوفًا من المسلمي فجاء عبد الله بن أُبي بن سلول وقال يا محمد أحسن في موالي حلفائي وظل ابن سلول يتشفع لهم عند الرسول حتى اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بطردهم من المدينة فخرجوا تاركين وراءهم أموالهم غنيمة للمسلمين وذهبوا لبلدة تسمي أذرعات بالشام وهناك سلط الله عليهم وباء مات فيه أغلبهم
قتل كعب بن الأشرف اليهودي
بقيت بالمدينة طائفتان كبيرتان من اليهود بنو النضير - وبنو قريظة وما زالوا يعادون المسلمين رغم العهد الذي قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم فهذا رجل من أغنيائهم اسمه كعب بن الأشرف لم يكتفِ بالحزن على قتلى الكفار في بدر بل ذهب إلى مكة وعزاهم وأخذ يرثي قتلاهم بشِعره ويشعل نار الثأر في قلوبهم كي يحاربوا المسلمين ولم يكتف بهذا فقد تطاول بإيذاء المسلمين مباشرة فأخذ يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم ويقع في أعراضهم
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لكعب بن الأشرف
فإنه قد آذى الله ورسوله فقام محمد بن مسلمة فقال يا رسول الله أتحب أن أقتله ؟ قال نعم قال فأذن لي أن أقول شيئًا
(أي يعيب الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين حتى يطمئن إليه كعب) قال صلى الله عليه وسلم ( قل )
فذهب محمد بن مسلمة إلى كعب بن الأشرف اليهودي
فقال له إن هذا الرجل قد سألنا صدقة ( أي مالا ) وإنه قد عنانا ( أتعبنا ) وإنــي قد أتيتــك أستسلفك (أي أطلب منك مالا ) قال كعب وأيضًا والله لتملنه ( يصيبكم الملل من صحبة محمد ) قال محمد بن مسلمة إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه ( نتركه )
ننظر إلى أي شيء يصير شأنه وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين الوسق كيل معلوم فقال نعم ارهنوني قالوا أي شيء تريد ؟ قال ارهنوني نساءكم قالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب قال فارهنوني أبناءكم ؟ قالوا كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين ؟ هذا عار علينا ولكنا نرهنك اللأمة ( السلاح ) فواعده أن يأتيه فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم فقالت له امرأته أين المخرج هذه الساعة ؟
قال إنما هو محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة فنزل إليهم وهو ينفح منه ريح الطيب فقال أبو نائلة ما أريت كاليوم ريحًا أطيب أتأذن لي أن أشم رأسك ؟ قال نعم فلما استمكن منه
قال دونكم فاقتلوه فقتلوه ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه
غزوة السويق
بينما كفار مكة يعيشون في حزن وغم لما أصابهم في غزوة بدر التي لم تترك لهم كرامة ولا كبرياء بين قبائل العرب
قام أبو سفيان من بينهم وأقسم أن يغزو المدينة وخرج أبو سفيان ومعه مائتان من الفرسان فدخلوا المدينة في الليل كاللصوصى وذهب أبو سفيان إلى سلام بن مشكم سيد يهود بني النضير فاستقبله أحسن استقبال وعرفه أخبار المسلمين
فقام أبو سفيان ومن معه بحرق عدد من نخيل الأنصار وقتلوا رجلين من الأنصار في أرضهما وفروا هاربين وعندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بأمرهم أسرع لمطاردتهم ولكنهم فروا وأخذوا يرمون ما معهم من طعام لتخف أحمالهم حتى ينجوا من أيدي المسلمين وسميت هذه الغزوة بـغزوة السويق نسبة لما كان يلقيه المشركون من الطعام
سرية زيد بن حارثة
في شهر جمادى الآخرة من العام الثالث من الهجرة كان أهل مكة في حيرة شديدة فهم يريدون إرسال القافلة التجارية للشام
ولكن كيف والمسلمون يقفون في الطريق بحذاء البحر الأحمر
وها هي ذي القبائل المحيطة بالمدينة قد سالمت الرسول
صلى الله عليه وسلم ولن تدع قريشًا تمر بسلام فما العمل ؟
اقترح الأسود بن عبد المطلب أن تسير القافلة في صحراء نجد بوسط الحجاز ومنها إلى العراق ثم الشام فهو طريق طويل بعيد جدا عن المسلمين ولما علم الرسول صلى الله عليه وسلم نبأ تلك القافلة أمر زيد بن حارثة بالخروج في مائة راكب من المسلمين لمهاجمتهم فخرجوا وفاجئوا المشركين واستولوا على القافلة كاملة
وأصبح الكفار بين أمرين لا ثالث لهما إما مهادنة المسلمين حتى لا يقطعوا طرق تجارتهم إلى الشام وإما الدخول في حرب شاملة ضد المسلمين للقضاء عليهم واختار المشركون الأمر الثاني وهو الحرب الشاملة
غزوة أحد
خرج مشركو قريش من غزوة بدر وقد وهنت قواهم حيث فرق المسلمون شملهم وقتلوا أشرافهم وأضعفوا شوكتهم بين قبائل الجزيرة العربية فكان لابد لهم من الثأر ورد الهزيمة على المسلمين كسر شوكتهم فجمع أبو سفيان ثلاثة آلاف مقاتل من قريش وكنانة والأحابيش حلفاء قريش وخرجت معهم النساء ليشجعن الرجال على القتال ومن بينهن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان وكان قلبها يشتعل بنار الألم لمقتل أبيها وأخيها في غزوة بدر
ونظم الكفار جيشهم فجعلوا قيادة الجيش لأبي سفيان
وقيادة الفرسان لخالد بن الوليد ومعه عكرمة بن أبي جهل
وتوجه الجيش إلى المدينة
وعلم المسلمون بتحرك المشركين وقدومهم إليهم فحملوا أسلحتهم والتفوا حول نبيهم وظلوا حارسين لمدينتهم ليل نهار
وإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم يجمع أصحابه ويستشيرهم في الأمر فرأى بعضهم ألا يخرج المسلمون من المدينة و أن يتحصنوا فيها فإذا دخلها المشركون قاتلهم المسلمون في الطرقات وحصدوهم حصدًا فهم أعلم بمسالك مدينتهم
ورأى البعض الآخر وخاصة الذين لم يشهدوا القتال يوم بدر
أن يخرجوا لملاقاة المشركين خارج المدينة
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم من أصحاب الرأي الأول
ومع ذلك وافق على الرأي الثاني لأن أصحاب هذا الرأي ألحوا عليه ولم يكن الوحي قد نزل بأمر محدد في هذا الشأن
ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم بيته ولبس ملابس الحرب
وخرج إلى الناس
وشعر الصحابة الذين أشاروا على الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج بأنهم أكرهوه على ذلك فقالوا له استكرهناك
يا رسول الله ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد اى إن شئت عدم الخروج فلا تخرج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته (أي درعه) أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه - رواه احمد
وخرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة في ألف من أصحابه في شوال سنة ثلاث من الهجرة حتى إذا كانوا بين المدينة واحد رجع عبد الله بن أُبي بن سلول بثلث الجيش
وتبعهم عبد الله بن حرام يناشدهم الله أن يرجعوا ولا يخذلوا نبيهم وينصحهم بالثبات ويذكرهم بواجب الدفاع عن المدينة ضد المغيرين ولكن الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر لم يكن ثابتًا في قلوبهم
ولذلك لم يستجيبوا له وقال ابن سلول لو نعلم قتالا لاتبعناكم
فنزل فيهم قوله تعالى " وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ للإيمان " ال عمران 167
واختلف المسلمون في أمر هؤلاء المنافقين ففرقة منهم تقول نقاتلهم وأخرى تقول دعوهم فنزل قوله تعالى " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله " النساء 88
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعطى اللواء مصعب بن عمير واستعرض النبي صلى الله عليه وسلم الجيش يومئذ
فرد الصغار الذين لا يقدرون على القتال وكان منهم يومئذ عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد والبراء بن عازب وزيد بن أرقم
وعمرو بن حزم
وهذا رافع بن خديج عمره خمس عشرة سنة يريد أن يشارك في المعركة فيلبس خفين في قدميه ليبدو طويلا فلا يرده رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوسط له عمه ظهير فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجيد الرماية فقبله
وعندئذ قال سمرة بن جندب أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم
رافعًا وردني وأنا أقوى وأصرع رافعًا وأغلبه فأمره الرسول
صلى الله عليه وسلم أن يصارعه فغلب سمرة رافعًا فقبله الرسول صلى الله عليه وسلم
وهكذا كان الفتى المسلم الصغير يحرص على التضحية بروحه من أجل دينه والدفاع عنه - واقترح بعض الصحابة الاستعانة باليهود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك
وعسكر المسلمون في شِعب في جبل أُحد وجعلوا الجبل خلف ظهورهم واختار الرسول صلى الله عليه وسلم خمسين رجلا يحسنون الرماية وجعل عبد الله بن جبير قائدًا عليهم
وقال لهم لا تبرحوا – لا تتركوا - مكانكم إن رأيتمونا ظهرنا عليهم -انتصرنا - فلا تبرحوا وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا
وهكذا أغلق الباب أمام التفاف الأعداء حول جيشه وحمى يمينه بالجبال وفي صباح يوم السبت السابع من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة بدأت المعركة وانقض المسلمون على المشركين فقتلوا حملة لواء المشركين فكانوا يسقطون واحدًا بعد الآخر حتى سقط اللواء ولم يجد من يحمله
وكان الفارس الشجاع حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم ينقض بسيفه على المشركين فيطيح بهم وكان وحشي بن حرب ينظر إلى حمزة من بعيد ويتبعه حيث كان
ذلك لأن سيده جبير بن مطعم بن عدي الذي قتل عمه طعيمة بن عدي يوم بدر قال له اخرج مع الناس فإن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق (حر)
وكان وحشي عبدًا حبشياً يقذف بالحربة بمهارة شديدة ولم يخطئ بها فاقترب وحشي من حمزة ورماه بالحربة فأصابته لكن حمزة لم يستسلم بل توجه إلى وحشي ودمه ينزف بغزارة فلم يستطع الوقوف على قدميه فوقع شهيدًا في سبيل الله
وسيطر المسلمون على المعركة وأكثروا القتل والأسر في جنود المشركين وحاول المشركون الفرار فذهب المسلمون وراءهم
فكان المشركون يتركون متاعهم وسلاحهم لينجوا من القتل
وكان الرماة على الجبل يشاهدون المعركة فظنوا أنها قد انتهت بانتصار المسلمين فتركوا أماكنهم ونزلوا من فوق الجبل ليشاركوا في جمع الغنائم فتركوا ظهر المسلمين مكشوفًا لعدوهم
فانتهز خالد بن الوليد قائد فرسان المشركين فرصة الخطأ
الذي وقع فيه رماة المسلمين فاستدار وجاء من خلف الجيش وقتل من بقى من الرماة فاختل نظام المسلمين وارتبكوا ونجح المشركون في قتل كثيرين منهم
كل هذا البلاء لأن بعض الرماة خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبدل الحال وركز المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه ولكنه صلى الله عليه وسلم ثبت لهم وأخذ يدافع عن نفسه وحوله بعض الصحابة مثل طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص
وكانت المرأة الأنصارية الشجاعة نسيبة بنت كعب تدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم كالرجال حتى نجي الله رسوله صلى الله عليه وسلم من الموت ولكنه تعرض لإصابات كثيرة في ركبته ووجهه وأسنانه وسال الدم على وجهه الشريف
فأخذ يمسح الدم وهو يقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم
(غَيَّروا لونه للاحمرار من كثرة الدم) وهو يدعوهم إلى ربهم - رواه احمد
وعندما فشل المشركون في قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أشاعوا أن محمدًا قتل لكي يؤثروا في عزيمة المسلمين ويثيروا الذعر بينهم ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أصحابه هلم إلى عباد الله فاجتمع حوله عدد من أصحابه وارتفعت روحهم المعنوية وظل النبي صلى الله عليه وسلم ومن ثبت معه في أرض المعركة بل قاتلوا حتى اللحظة الأخيرة الى أن اكتفت قريش بما حققت وانصرفوا بعد انتهاء المعركة
ولما انقضت الحرب صعد أبو سفيان على مكان مرتفع
ونادى في المسلمين أفيكم محمد ؟ فلم يرد عليه أحد
فقال أفيكم أبو بكر ؟ فلم يرد عليه أحد
فقال أفيكم عمر بن الخطاب ؟ فلم يرد عليه أحد
فقال أما هؤلاء فقد قتلوا فلم يتمالك عمر نفسه
فرد عليه قائلا يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياء وقد أبقي الله لك ما يسوءك
ثم قال أبو سفيان أُعل هُبَل
فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا تجيبونه ؟
قالوا ما نقول ؟ قال صلى الله عيه وسلم قولوا الله أعلى وأجل
ثم قال أبو سفيان لنا العزى ولا عزى لكم
فقال صلى الله عليه وسلم ألا تجيبونه ؟
فقالوا ما نقول ؟
قال صلى الله عليه وسلم قولوا الله مولانا ولا مولى لكم
وعاد المشركون إلى بلدهم وقد انتشرت في ساحة القتال جثث شهداء المسلمين وقتلى الكفار وارتوت الرمال بدماء الشهداء الطاهرة التي أريقت من أجل الإسلام فياله من مشهد حزين
سبعون شهيدًا مسلمين واثنان وعشرون قتيلا من المشركين
وحزن المسلمون حزنًا شديدًا على شهدائهم
ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم حزينًا ينظر إلى جثة عمه حمزة رضي الله عنه وقد مثل به الأعداء فأقسم ليمثلن بسبعين من الكفار إن نصره الله عليهم بعد ذلك
فنزل قول الله تعالى " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين" النحل 126
صور بطولية من المعركة
تجلت صور رائعة من البطولة والشجاعة والإيمان لرجال ونساء المسلمين في غزوة أحد وكذلك حدثت بعض المعجزات لتكون عظة وذكرى وتبصــرة للمؤمنين
فهذا أبي بن خلف يقبل على النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد حلف أن يقتله وأيقن أن الفرصة قد حانت فجاء يقول
يا كذاب أين تفر ؟ وحمل على الرسول صلى الله عليه وسلم بسيفه فقال صلى الله عليه وسلم بل أنا قاتله إن شاء الله
وطعنه صلى الله عليه وسلم طعنة وقع منها ومات
ويمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفه قبل بدء المعركة ويقول من يأخذ هذا السيف بحقه ؟
فتأخر القوم فقال أبو دجانة وما حقه يا رسول الله ؟
فقال صلى الله عليه وسلم أن تضرب به في العدو حتى ينحني
فقال أبو دجانة أنا آخذه بحقه فأعطاه إياه
وكان أبو دجانة رجلا شجاعًا يختال عند الحرب وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها فإنه يقاتل حتى الموت فأخذ أبو دجانة السيف وهو يقول
أنـا الذي عاهدنة خليلى ونحن بالسفح لدى النخيل
ألا أقُـوم الدهر في الكيول اضرب بسيــف الله والرسول
والكيول هي مؤخرة الصفوف فكأنه يقول لن أكون أبدًا إلا في المقدمة ما دمت أحمل هذا السيف
وأخذ أبو دجانة يضرب المشركين بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثناء المعركة رأي أبو دجانة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أصبح هدفًا لنبال المشركين بعد أن فر المسلمون فأسرع أبو دجانة واحتضن الرسول صلى الله عليه وسلم فصار النبل يقع على ظهر أبي دجانة وهو منحن على جسم الرسول صلى الله عليه وسلم حتى انتهت المعركة
ومر انس بن النضر رضي الله عنه على بعض الصحابة
فوجدهم لا يقاتلون وعندما سألهم عن سبب امتناعهم عن القتال قالوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال أنس ما تصنعون بالحياة بعده ؟
قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توجه إلى الله تعالى وقال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء المسلمون الفارون وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء أي (المشركون المعتدون) وظل أنس يقاتل حتى قتل فوجدوا في جسده بضعًا وثمانين جرحًا ما بين طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم فما عرفه أحد إلا أخته بعلامة كانت تعرفها في إصبعه
وهذا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر الذي تزوج جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول وفي اليوم التالي لزواجه يسمع نداء القتال فيخرج وهو جنب ملبيًا النداء ويقاتل في سبيل الله حتى يُقتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان صاحبكم تغسله الملائكة - رواه ابن إسحاق
وهذا قتادة بن النعمان أصيبت عينه ووقعت على خده
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عينه بيده وردها إلى موضعها وقال اللهم أكسبه جمالاً فكانت أحسن عينيه وأحدَّهما نظرًا وكانت لا ترمد
إذا رمدت الأخرى
وليست النساء أقل بطولة من الرجال فهذه صفية بنت عبد المطلب لما رأت المسلمين قد انهزموا وفر بعضهم من ميدان المعركة أمسكت رمحًا تضرب به من فر من المسلمين وتحثه على العودة إلى القتال ولما علمت بمقتل أخيها حمزة ذهبت لتنظر إليه فلقيها الزبير فقال أي أمه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي قالت ولم ؟
وقد بلغني أنه قد مثل بأخي وذلك في الله لأصبرن وأحتسبن إن شاء الله فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بذلك قال خلوا سبيلها فنظرت إليه فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له
ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار
وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ذكروا لها ما حدث لأخيها ولأبيها ولزوجها
قالت فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قالوا خيرًا هو بحمد الله كما تحبين . قالت أرونيه حتى أنظر إليه فأشاروا إليه حتى إذا رأته قالت كل مصيبة بعدك جلل اى صغيرة
وهكذا يسمو حب المسلمين للرسول صلى الله عليه وسلم
فوق كل حب إنه حب يعلو فوق حب الآباء والأبناء والأزواج
