يوم والمدينة المنورة ساكنة هادئة أقترب من مشارفها صوت هائل يرجها تعالى وأثار تراب غطي الأفق ودفع الريح بالغبار المتصاعد من رمال الصحراء الناعمة لتقترب من أبواب المدينة وتهب الرمال على بيوتها وحسبها الناس عاصفة بالرمال لكن سمعوا وراء ستار الغبار ضجة كانت قافلة كبيرة ظهرت لهم بسبعمائة راحلة مزودة بالأحمال تزحم شوارع المدينة وترجها رجا نادى الناس بعضهم البعض ليروا مشهدها الرائع ويستبشروا فرحاً بما تحمله من خير ورزق
وسألوا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها والتى سمعت مثلهم القافلة الزاحفة سألوها ما الذي يحدث في المدينة وظهر الخبر لهم قافلة لعبد الرحمن بن عوف جاءت من الشام بتجارة له قالت أم المؤمنين قافلة تحدث كل هذه الرجة أجل يا ام المؤمنين انها سبعمائة راحلة وهزت أم المؤمنين رأسها وأرسلت نظراتها الثاقبة بعيدا كأنها تبحث ذكرى مشهد رأته
وحديث سمعته وقالت اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا
وحديث سمعته وقالت اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا
حبوا ولماذا لا يدخلها وثبا سنعرف تفصيلا فــلا تستعجلون
او هرولة مع السابقين من أصحاب رسول الله
ونقل بعض أصحابه مقالة عائشة له تذكر أنه سمع من النبي
صلى الله عليه وسلم هذا الحديث أكثر من مرة وبأكثر من صيغة
وقبل أن تنزل الأحمال من تجارته اسرع يمشى لبيت عائشة
وقال لها لقد ذكرتيني بحديث لم أنسه ثم قال أما اني أشهدك
أن هذه القافلة بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله عز وجل ووزعت حمولة سبعمائة راحلة على أهل المدينة ومن حولها في مهرجان بر عظيم
هذه الواقعة تمثل الصورة الكاملة لحياة صاحب رسول الله
عبدالرحمن بن عوف المبشر الثامن بالجنة فهو التاجر الناجح
أكثر ما يكون هو النجاح وأوفاه وهو الثري بأكثر ما يكون الثراء وفرة فهو مؤمن يرفض ان يذهب حظه من الدين
ويرفض أن يدفعه ثراؤه عن قافلة الايمان ومثوبة الجنة
فهو رضي الله عنه يجود بثروته في سخاء وفرحه
آيا تجار العالم الاغنياء اين انتم من المجاعات والاطفال
الذين يموتون جوعا للقمة الخبز اين انتم من فلسطين وغزة
من نساء مؤمنات لا يملكن اقواتهن افيقوا افاقكم الله
كيف دخل عبد الرحمن بن عوف الاسلام أسلم في وقت مبكر جدا في الساعات الأولى للدعوة وقبل أن يدخل رسول الله دار الأرقم ويتخذها مقرا لالتقائه بأصحابه المؤمنين كان أحد الثمانية الذن سبقوا الى الاسلام حين عرض عليه أبو بكر الاسلام هو وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص فما صعب عليهم الأمر
ولا شكوا بالرسول بل سارعوا مع الصديق الى رسول الله يبايعونه ويحملون لواءه ومنذ أسلم الى أن لقي ربه في الخامسة والسبعين من عمره وهو نموذج باهر للمؤمن العظيم
مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يضعه مع العشرة الذين بشرهم بالجنة
وجعل عمر رضي الله عنه يضعه مع أصحاب الشورى الستة
الذين جعل الخلافة فيهم من بعده قائلا لقد توفي رسول الله
وهو عنهم راض وفور اسلام عبدالرحمن بن عوف حمل حظه المناسب من اضطهاد قريش وتحدياتها وحين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة الى الحبشة
هاجر ابن عوف ثم عاد الى مكة ثم هاجر الى الحبشة في الهجرة الثانية ثم هاجر الى المدينة وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها وكان موفقا في التجارة الى حد أثار عجبه ودهشه فقال لقد رأيتني لو رفعت حجرا لوجدت تحته فضة وذهبا ولم تكن التجارة عند عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه احتكارا او حرصا على جمع المال حباً للثراء لا انما كانت عملا فى سبيل الله وواجبا ومزيدا من السعي
كان ابن عوف يحمل طبيعة جياشة وجد راحته بالعمل الشريف
ان لم يكن بالمسجد يصلي ولا في الغزو يجاهد كان في تجارته التي نمت نموا هائلا حتى أخذت قوافله تفد على المدينة من مصر ومن الشام كان الرسول يؤاخي بين كل اثنين من أصحابه
أحدهما مهاجر من مكة والآخر أنصاري بالمدينة كانت المؤاخات تتم بنسق يبهر الألباب فالأنصاري من أهل المدينة
يقاسم أخاه المهاجر كل ما يملك حتى فراشه فاذا كان متزوج باثنين طلق احداهما ليتزوجها أخوه
وكان الآخاء بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع
ولنصغ للصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه يروي لنا ما حدث قال سعد لعبد الرحمن أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا فانظر نصف مالي فخذه وتحتي امرأتان فانظر أيتهما أعجب لك حتى أطلقها وتتزوجها فقال له عبدالرحمن بن عوف
ولنصغ للصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه يروي لنا ما حدث قال سعد لعبد الرحمن أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا فانظر نصف مالي فخذه وتحتي امرأتان فانظر أيتهما أعجب لك حتى أطلقها وتتزوجها فقال له عبدالرحمن بن عوف
بارك الله لك في أهلك ومالك
دلوني على السوق وخرج الى السوق فاشترى وباع وربح
وهكذا سارت حياته في المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته أداء كامل لحق الدين وعمل الدنيا
وهكذا سارت حياته في المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته أداء كامل لحق الدين وعمل الدنيا
وتجارة رابحة ناجحة لو رفع صاحبها على حد قوله حجرا
من مكانه لوجد تحته فضة وذهبا ومما جعل تجارته ناجحة مباركة تحريه الحلال ونأيه الشديد عن الحرام بل عن الشبهات
لم تكن لعبد الرحمن وحده نصيبه من المال فى تجارته بل كان لله فيها نصيب أوفى وكان يصل أهله واخوانه ويجهز جيوش الاسلام لقد سمع رسول الله يقول له يوما يا بن عوف انك من الأغنياء وانك ستدخل الجنة حبو فأقرض الله يطلق لك قدميك
ايدخلها حبوا الان ام سمع ونفذ كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ومنذ سمع النصح من رسول الله وهو يقرض ربه قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة باع في يوم أرضا بأربعين ألف دينار ثم فرقها في أهله من بني زهرة وعلى أمهات المؤمنين وفقراء المسلمين قدم يوما لجيوش الاسلام خمسمائة فرس ويوما آخر الفا وخمسمائة راحلة وعند موته أوصى بخمسن ألف دينار في سبيل الله وأوصى لكل من بقي ممن شهدوا بدرا بأربعمائة دينار حتى ان عثمان بن عفان رضي الله عنه أخذ نصيبه من الوصية برغم ثرائه وقال ان مال عبدالرحمن حلال صفو وان الطعمة منه عافية وبركة
كان سيد ماله ولم يكن عبد للمال
حتى أنه كان يقال أهل المدينة جميعا شركاء لابن عوف في ماله ثلث يقرضهم وثلث يقضي عنهم ديونهم وثلث يصلهم ويعطيهم
الزاهد رغم كثرة ماله
حضروا له يوما طعام الافطار وكان صائما فلما وقعت عيناه
عليه فقد شهيته وبكى وقال استشهد مصعب بن عمير وهو خير مني فكفن ببردة ان غطت رأسه بدت رجلاه وان غطت رجلاه بدا رأسه واستشهد حمزة وهو خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه الا برده ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط وأعطينا منها ما أعطينا واني لأخشى أن نكون عجلت لنا حسناتنا
عليه فقد شهيته وبكى وقال استشهد مصعب بن عمير وهو خير مني فكفن ببردة ان غطت رأسه بدت رجلاه وان غطت رجلاه بدا رأسه واستشهد حمزة وهو خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه الا برده ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط وأعطينا منها ما أعطينا واني لأخشى أن نكون عجلت لنا حسناتنا
اجتمع يوما مع بعض أصحابه على طعام عنده وما كاد الطعام يوضع أمامهم حتى بكى وسألوه ما يبكيك يا أبا محمد قال لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وما شبع هو وأهل بيته من خبز الشعير ما أرانا أخرنا لم هو خير لنا رضي الله عنك حقا وارضاك عبد الرحمن
لقد عودتنا طبائعنا البشرية أن الثراء ينادي السلطة أي أن الأثرياء يحبون أن يكون لهم نفوذ يحمي ثراءهم ويضاعفه وعبد الرحمن بن عوف بثرائه العريض انسانا عجيبا يقهر
طبائع البشر في هذا المجال ويتخطاها الى سمو فريد عندما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجود بروحه الطاهرة
ويختار ستة رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليختاروا من بينهم الخليفة الجديد كانت الأصابع تشير لابن عوف وفاتحه بعض الصحابة بأنه أحق الستة فى الخلافة
فقال والله لأن تؤخذ مديه فتوضع في حلقي ثم ينفذ بها الى الجانب الآخر أحب الى من ذلك - والمديه هى سكين او آله حاده - فعقد الستة المختارون اجتماعهم ليختاروا أحدهم
خليفة بعد الفاروق عمر وأنبأ اخوانه الخمسة الآخرين بتنازله عن الحق الذي أضفاه عمر عليه حين جعله أحد الستة الذين سيختار الخليفة منهم وعليهم أن يجروا عملية الاختيار بينهم وحدهم أي بين الخمسة الآخري سرعان ما أحله زهده بالمنصب مكان الحكم بين الخمسة الأجلاء فرضوا أن يختار هو الخليفة من بينهم وقال الامام علي لقد سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يصفك بأنك أمين في أهل السماء وأمين في أهل الأرض واختار ابن عوف عثمان بن عفان للخلافة
فوافق الباقون اختياره هذه حقيقة رجل ثري في الاسلام فهل رأيتم ما صنع الاسلام به حتى رفعه فوق الثراء بكل مغرياته ومضلاته وكيف صاغه في أحسن تقويم
وها هو بالعام الثاني والثلاثين للهجرة يجود بأنفاسه وتريد أم المؤمنين عائشة تخصه بشرف لم تختص به سواه فتعرض عليه وهو بفراش الموت أن يدفن في حجرتها لجوار الرسول وأبي بكر وعمر ولكنه مسلم أحسن الاسلام تأديبه فيستحي أن يرفع نفسه الى هذا الجوار وقال لها انه على موعد سابق وعهد وثيق مع عثمان بن مظعون اذ تواثقا ذات يوم أيهما مات بعد الآخر يدفن الى جوار صاحبه
وبينما كانت روحه تتهيأ لرحلتها الجديدة كانت عيناه تفيضان من الدمع ولسانه يتمتم ويقول اني أخاف أن أحبس عن أصحابي لكثرة ما كان لي من مال ولكن سكينة الله سرعان
كست وجهه غلالة رقيقة من الفرحه المشرقة المتهللة المطمئنة وأرهفت أذناه كأنه يسمعه كما لو كان هناك صوت
عذب يقترب منهما واى صوت عذب سواك يا رسول الله
كان يسمع بصدق صوت وقول الرسول صلى الله عليه وسلم
كان يسمع بصدق صوت وقول الرسول صلى الله عليه وسلم
له منذ عهد بعيد عبد الرحمن بن عوف في الجنة كان يسمع أيضا وعد الله في كتابه بســـــم الله الرحمن الرحيم " الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون "
