الثلاثاء، 26 أكتوبر 2010

أبى ذر الغفــارى

ما اقلت الغبراء ولا اظلت الخضراء من رجل 
اصدق من أبي ذر
قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم

رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده
ويبعث يوم القيامة وحده 
قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم

إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم 
قيل يا رسول الله سمهم لنا 
قال علي منهم يقول ذلك 
ثلاثا وأبو ذر والمقداد وسلمان
أمرني بحبهم وأخبرني أنه يحبهم
قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم

أقبل ابو ذر على مكة نشوان ووعثاء السفر والصحراء قد اثرا عليه بالألم لكن غايتة التي يسعى لها أنسته جراحه وأفاضت بروحه الفرح والبشرى دخلها متنكرا كأنه واحد يقصدها ليطوف بآلهه الكعبة كعابر سبيل ضل طريقه أو طال به السفر والارتحال فأوى لها يستريح ويتزود فلو علم أهل مكة أنه جاء يبحث عن محمد صلى الله عليه وسلم ويستمع له لفتكوا به لكن هو لا يهمه ان يفتكوا به لكن ليكن بعد أن يقابل الرجل الذى قطع هول الطريق ليراه وبعد أن يؤمن به لما اقتنع بصدقه واطمأن لدعوته ومضى يتسمع الأنباء

وكلما سمع قوما يتحدثون عن محمد اقترب منهم بحذر وجمع الحديث من هنا وهناك ما يدله على مكان محمد واين يراه
وبصبيحة يوم خرج فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا وحده
فاقترب منه وقال نعمت صباحا يا أخا العرب فأجاب الرسول عليه الصلاة والسلام وعليك السلام يا أخاه قال أبو ذر أنشدني مما تقول فأجاب الرسول عليه الصلاة والسلام ما هو بشعر فأنشدك ولكنه قرآن كريم قال أبو ذر اقرأ علي فقرأ عليه الرسول وأبو ذر يصغي ومضي وقت قليل حتى قال أبو ذر أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وسأله النبي ممن أنت يا أخا العرب
فأجابه أبو ذر من غفار وابتسم الرسول صلى الله عليه وسلم واكتسى وجهه بالعجب وضحك أبو ذر لضحك الرسول فهو يعرف سر العجب الذي كسا وجه الرسول عليه السلام حين علم أن الذي يجهر بالاسلام أمامه انما هو رجل من غفار

فغفار هذه قبيلة احترفوا قطع الطريق وأهلها برعوا في السطو غير المشروع هم حلفاء الليل والظلام والويل لمن يسلمه الليل لواحد من قبيلة غفار أفيجيء منهم اليوم واحدا ليسلم والاسلام لا يزال دينا مستخفيا سبحان الله

يقول أبو ذر وهو يروي القصة بنفسه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرفع بصره ويصوبه تعجبا ثم قال ان الله يهدي من يشاء . ولقد كان أبو ذر رضي الله عنه أحد الذين شاء الله لهم بالهدى وأراد بهم الخير فقد روي عنه أنه أحد الذين كانوا يتألهون بالجاهلية أي يتمردون على عبادة الأصنام ويذهبون للايمان بالله الخالق وما كاد يسمع بظهور نبي يكره عبادة الأصنام ويدعو لله الواحد القهار اسرع الخطى وشد الرحال
وأسلم أبو ذر وكان ترتيبه في المسلمين الخامس أو السادس
هو أسلم بالأيام الأولى بل الساعات الأولى للاسلام وكان اسلامه مبكرا وحين أسلم كان الرسول يهمس بالدعوة همسا يهمس بها لنفسه والى الخمسة الذين آمنوا معه ولم يكن أمام أبي ذر الا أن يحمل ايمانه بين جنبيه ويتسلل به مغادرا مكة وعائدا لقومه

ولكن أبا ذر جندب بن جنادة وهو اسمه يحمل طبيعة فوارة جياشة لقد خلق ليتمرد على الباطل كيف يكون وها هو ذا يرى الباطل بعينيه حجارة مرصوصة تنحني أمامها الجباه والعقول ويناديها الناس لبيك لبيك وصحيح أنه رأى الرسول يؤثر لهمس بأيامه تلك ولكن لا بد من صيحة يصيحها الثائر الجليل قبل أن يرحل

لقد توجه الى الرسول عليه الصلاة والسلام فور اسلامه بهذا السؤال يا رسول الله بم تأمرني فأجابه الرسول ترجع لقومك حتى يبلغك أمري فقال أبو ذر والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالاسلام بالمسجد

ألم أقل لكم تلك طبيعة متمردة جياشة في اللحظة التي يكشف فيها أبو ذر عالما جديدا بأسره يتمثل بالرسول الذي آمن به والدعوة التي سمع بتباشيرها على لسانه ويراد أن يرجع لأهله صامتا هذا أمر فوق طاقته هنالك دخل المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا رسول الله كان صوته أول صيحة بالاسلام

تحدت كبرياء قريش ووصلت صيحته الى أسماعها وصاحها رجل غريب ليس له بمكة حسب ولا نسب ولقي ما لم يكن يغيب عن فطنته أنه ملاقيه فأحاط به المشركون وضربوه حتى صرعوه وترامى النبأ للعباس عم النبي فجاء يسعى وما استطاع أن ينقذه من بين أنيابهم الا بحيلة ذكية قال يا معشر قريش أنتم تجار وطريقكم على غفار وهذا رجل من رجالها ان يحرض قومه عليكم يقطعوا على قوافلكم الطريق فثابوا الى رشدهم وتركوه

ولكن أبا ذر ذاق حلاوة الأذى في سبيل الله لا يريد أن يغادر مكة حتى يظفر من طيباته بمزيد باليوم الثاني وربما في نفس اليوم يلقى امرأتين تطوفان بالصنمان  (أساف واثلة) تدعونهما وقف عليهما ابا ذر وسفه الصنمين تسفيها مهينا تصرخ المرأتان وهرول الرجال كالجراد ويضربونه ويفقد وعيه
ولما فاق يصرخ مرة أخرى أشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله ويدرك الرسول عليه الصلاة والسلام طبيعة تلميذه الجديد الوافد وقدرته الباهرة لمواجهة الباطل لكن وقته لم يأت بعد فيعيد عليه أمره بالعودة لقومه حتى اذا سمع بظهور الدين عاد ويعود أبو ذر لعشيرته وقومه فيحدثهم عن النبي الذي ظهر ويدعو لعبادة الله وحده ويهدي لمكارم الأخلاق ويدخل قومه في الاسلام واحدا بعد الاخر

وتتابع الأيام رحلتها في موكب الزمن ويهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم للمدينة ويستقر بها والمسلمون معه وذات يوم تستقبل مشارفها صفوفا طويلة من المشاة والركبان أثارت أقدامهم النقع ولولا تكبيراتهم الصادعة لحسبهم الرائي جيشا مغيرا من جيوش الشرك اقترب الموكب ودخل المدينة ويمم وجهه شطر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لقد كان الموكب قبيلتي ( غفار وأسلم ) جاء بهما ابو ذر مسلمين جميعا رجالا ونساء شيوخا وشبابا وأطفالا وكان من حق الرسول عليه الصلاة والسلام أن يزداد عجبا ودهشة فبالأمس البعيد عجب كثيرا حين رأى أمامه رجلا واحدا من غفار يعلن اسلامه وايمانه

وقال معبرا عن دهشته ان الله يهدي من يشاء أما اليوم فان قبيلة غفار بأجمعها تجيئه مسلمة وقد قطعت في الاسلام بضع سنين منذ هداها الله على يد أبي ذر وتجيء معها قبيلة مجاوره لها تدعى قبيلة أسلم عمالقة السطور وحلفاء الشيطان أصبحوا عمالقة بالخير وحلفاء للحق أليس الله يهدي من يشاء حقا لقد ألقى الرسول عليه الصلاة والسلام بوجوههم الطيبة نظرات تفيض غبطة وحنانا وودا ونظر لقبيلة غفار 
ثم قالما يخافه أبو ذر على اخوانه الذين حملوا رايه الاسلام مع رسولهم صلى الله عليه وسلم والذين يجب أن يظلوا لها حاملين والحكم والمال أيضا هما عصب الحياة للأمة والجماعات 

كان أبو ذر يتمنى لأصحاب الرسول ألا يولى أحد منهم امارة أو يجمع ثروة وأن يظلوا كما كانوا رواد للهدى وعبادا لله وقد كان يعرف ضراوة الدنيا وضراوة المال وكان يدرك أن أبا بكر وعمر لن يتكررا ولطالما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه من اغراء الامارة ويقول عنها انها أمانة وانها يوم القيامة خزي وندامة الا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ولقد بلغ الأمر بأبي ذر تجنب اخوانه ان لم يكن مقاطعتهم لأنهم ولوا الامارات وصار لهم بطبيعة الحال ثراء وفرة 
لقيه أبو موسى الأشعري يوما فلم يكد يراه حتى فتح له ذراعيه وهو يصيح من الفرح بلقائه مرحبا أبا ذر مرحبا بأخي ولكن أبا ذر دفعه عنه وهو يقول لست بأخيك انما كنت أخاك قبل أن تكون واليا وأميرا

كذلك لقيه أبو هريرة يوما واحتضنه مرحبا ولكن أبا ذر نحاه عنه بيده وقال له اليك عني ألست الذي وليت الامارة فتطاولت في البنيان واتخذت لك ماشية وزرعا ومضى أبو هريرة يدافع عن نفسه ويبرئها من تلك الشائعات 

وقد يبدو أبو ذر مبالغا في موقفه من الحكم والثروة ولكن لأبي ذر منطقه الذي يشكله صدقه مع نفسه وايمانه فأبو ذر يقف بأحلامه وأعماله بسلوكه ورؤاه عند المستوى الذي خلفه لهم رسول الله وصاحباه أبو بكر وعمر كان يرى في المستوى مثالية ان ابا ذر يراها قدوة ترسم طريق الحياة والعمل ولا سيما لأولئك الرجال الذين عاصروا الرسول عليه الصلاة والسلام وصلوا وراءه وجاهدوا معه وبايعوه على السمع والطاعة أنه يدرك بوعيه المضيء ما للحكم وما للثروة من أثر حاسم بمصاير الناس ومن ثم فان أي خلل يصيب أمانة الحكم
أو عدالة الثروة  يشكل خطرا يجب دحضه ومعارضته

لقد عاش أبو ذر ما استطاع حاملا لواء القدوة العظمى للرسول عليه الصلاة والسلام وصاحبيه أمينا عليها حارسا لها فقد كان أستاذ بفن التفوق لمغريات الامارة والثروة عرضت عليه الامارة بالعراق فقال لا والله لن تميلوا عليّ بدنياكم أبدا 
ورآه صاحبه يوما يلبس جلبابا قديما فسأله أليس لك ثوب غير هذا لقد رأيت معك منذ أيام ثوبين جديدين فأجابه أبو ذر يا بن أخي لقد أعطيتهما من هو أحوج اليهما مني قال له والله انك لمحتاج اليهما فأجاب أبو ذر اللهم اغفر له انك لمعظم للدنيا ألست ترى على هذه البردة ولي أخرى لصلاة الجمعة ولي عنزة أحلبها وأتان أركبها فأي نعمة أفضل ما نحن فيه

جلس يوما يحدث ويقول أوصاني خليلي بسبع أمرني بحب المساكين والدنو منهم وأمرني أن أنظر الى من هو دونـــــي ولا أنظر الى من هو فوقي وأمرني ألا أسأل أحد شيئا وأمرني أن أصل الرحم وأمرني أن أقول الحق وان كان مرا وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم وأمرني أن أكثر من لا حول ولا قوة الا بالله

ولقد عاش بهذه الوصية وصاغ حياته وفقها حتى صار ضميرا بين قومه وأمته ويقول الامام علي رضي الله عنه لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر يناهض استغلال الحكم واحتكار الثروة عاش يدحض الخطأ ويبني الصواب عاش لمسؤولية النصح والتحذير يمنعونه من الفتوى فيزداد صوته بها ارتفاعا ويقول لمانعيه والذى نفسي بيده لو وضعتم السيف فوق عنقي ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتها من رسول الله  صلى الله عليه وسلم قبل أن تحتزوا لأنفذتها

والآن يعالج أبو ذر سكرات الموت بالربدة المكان الذي اختار الاقامة فيه اثر خلافه مع عثمان رضي الله عنه 

فتعالوا بنا نبصر في حياته مشهد ختامها هذه السيدة السمراء الضامرة الجالسة لجواره تبكي وهي زوجته وانه ليسألها فيم البكاء والموت حق فتجيبه بأنها تبكي لأنك تموت وليس عندي ثوب يسعك كفنا قال لا تبكي فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه يقول ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابه من المؤمنين وكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية ولم يبق منهم غيري وهأنذا بالفلاة أموت فراقبي الطريق فستطلع علينا عصابة من المؤمنين فاني والله ما كذبت ولا كذبت وفاضت روحه الى الله

ولقد صدق فهذه عصابة اى قافلة التي تغذ السير بالصحراء تؤلف جماعة من المؤمنين وعلى رأسهم عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله وان ابن مسعود ليبصر المشهد قبل أن يبلغه ويصل مشهد جسد ممتد يبدو كأنه جثمان ميت ولجواره سيدة وغلام يبكيان ويلوي زمام دابته والركب معه صوب المشهد ولا يكاد يلقي نظرة على الجثمان حتى تقع عيناه على وجه صاحبه وأخيه في الله والاسلام أبي ذر وتفيض عيناه بالدمع ويقف على جثمانه الطاهر يقول صدق رسول الله تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك

ويجلس ابن مسعود رضي الله عنه لصحبه تفسير تلك العبارة التي نعاه بها تمشي وحدك وتموت حدك وتبعث وحدك كان ذلك بغزوة تبوك سنة تسع من الهجرة وأمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالتهيؤ لملاقاة الروم الذين شرعوا يكيدون للاسلام ويأتمرون به وكانت الأيام التي دعى فيها الناس للجهاد أيام عسر وقيظ وكان العدو مخيفا ولقد تقاعس عن الخروج نفر من المسلمين تعللوا بشتى المعاذير وخرج الرسول وصحابته وكلما أمعنوا بالسير ازدادوا جهدا ومشقة فجعل الرجل يتخلف
ويقولون يا رسول الله تخلف فلان فيقول دعوه فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه

وتلفت القوم ذات مرة فلم يجدوا أبا ذر وقالوا للرسول عليه الصلاة والسلام لقد تخلف أبو ذر وأبطأ بعيره وأعاد الرسول مقالته الأولى وكان بعير أبي ذر قد ضعف تحت وطأة الجوع والظمأ والحر وتعثرت من الاعياء خطاه وحاول أبو ذر أن يدفعه للسير الحثيث بكل حيلة وجهد ولكن الاعياء كان يلقي ثقله على البعير ورأى أبو ذر أنه بهذا سيتخلف عن المسلمين وينقطع دونهم الأثر فنزل من فوق ظهر البعير وأخذ متاعه وحمله على ظهره ومضى ماشيا على قدميه مهرولا وسط صحراء ملتهبة كى يدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم
وصحبه 

وفي الغداة وضع المسلمون رحالهم ليستريحوا أبصر أحدهم
فرأى سحابة من النقع والغبار تخفي وراءها شبح رجل يغذ السير وقال الذي رأى يا رسول الله هذا رجل يمشي الطريق وحده وقال الرسول عليه الصلاة والسلام كن أبا ذر وعادوا لما كانوا فيه من حديث ليقطع القادم المسافة التي تفصله عنهم وعندها يعرفون من هو وأخذ المسافر الجليل يقترب منهم رويدا ويقتلع خطاه من الرمل المتلظي اقتلاعا وحمله فوق ظهره ولكنه مغتبط فرحان لأنه أردك القافلة المباركة ولم يتخلف عن رسول الله واخوانه المجاهدين وحين بلغ أول القافلة صاح صائهحم يارسول الله انه والله أبا ذر وسار أبو ذر تجاه الرسول ولم يكد صلى الله عليه وسلم يراه حتى تألقت بوجهه ابتسامة حانية وقال يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده

وبعد مضي عشرين عاما على هذا اليوم أو تزيد مات أبو ذر وحيدا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في فلاة الربدة بعد أن سار حياته كلها وحيدا على طريق لم يتألق فوقه سواه ولقد بعث في التاريخ وحيدا في عظمة زهده وبطولة صموده ولسوف يبعث عند الله وحيدا كذلك لأن زحام فضائله المتعددة لن يترك بجانبه مكانا لأحد سواه 

رحمك الله ابا ذر كم دمعت عيناى وانا ادون جهادك