ذات النطاقين - أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وأرضاها واحدة من اللواتي لا نعرف عنهن إلا أيسر اليسير من الفضل وكانت رضي الله عنها وأرضاها نعم البنت والزوجة والأم وقبل كل ذلك نعم المرأة المؤمنة وليس بذلك غرابة فهي بنت الصديق الذي لو وضع إيمانه بكفة وإيمان الأمة بكفة لرجحت كفته وتزوجت من الزبير حواري رسول الله صل الله عليه وسلم وحملت منه بعبد الله
أول مولود للمهاجرين بالمدينة فعنها رضي الله عنها عندما حملت بعبد الله بن الزبير قالت فخرجت وأنا متم أي قد أتممت مدة الحمل فأتيت المدينة فنزلت بقباء مكان معروف بالمدينة فولدته بقباء وأتيت به النبي صل الله عليه وسلم فوضعته في حجره ودعا بتمرة فمضغها وتفل في فيه فكان أول شيء دخل بجوفه ريق رسول الله صل الله عليه وسلم وحنكه وضع في فيه التمرة ودلك حنكه بها بتمرة ودعا له وبرّك عليه أي قال اللهم بارك فيه وكان أول مولود بالإسلام أي بالمدينة من المهاجرين رواه البخاري ومسلم وعبد الله بن الزبير
هذا الذي باركه رسول الله صل الله عليه وسلم يوم كان مولوداً هو الذي وقف للطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي وهو شيخ محتمياً بالكعبة واستشهد بمشهد مأساوي فظيع كانت أسماء فيه حاضرة برأيها وشخصها وتأزمت العلاقة بين حفيد أبي بكر رضي الله عنهما وأرضاهما وبين الحجاج ومن كان يمثله وتصاعدت الأمور حتى تلاقى الفريقان عبد الله بفئته القليلة والحجاج بجيشه
وكان عبد الله عائذاً بالبيت الحرام الذي للأسف لم تراع له حرمة ولأن النتيجة كانت واضحة قبل بداية المعركة فقد استشار عبد الله أمه أسماء بموقفه هل يتنازل عنه أم يذبح عليه فأشارت عليه بما لا تشير به أم غير أسماء على ولدها وهو أن يصمد عليه وإن كان في ذلك ذبحه فعظمت له أمر الحق في نفسه ومهونة عليه الباطل بجنده ساقت أسماء ابنها للشهادة بموقف يصعب على غيرها فعله وانتهى الموقف كما كان متوقعاً وذبح عبد الله بن الزبير بأعتاب بيت الله الحرام وليت الذين فعلوا ذلك اكتفوا به
بل أمر الحجاج بصلبه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
وإليكم خبر الحدث وموقف ذات النطاقين أم الشهيد فيه عن أبي نوفل رأيت عبد الله بن الزبير بعتبة المدينة يقصد مدخل مدينة مكة مصلوبا قال فجعلت قريش تمر عليه والناس حتى مر عليه عبد الله بن عــمر فوقف عليه فـقال الســـــلام عليك أبا خبيب السلام عليك أبا خبيب السلام عليك أبا خبيب أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا والله إن كنت ما علمت صواماً قواماً وصولاً للرحم فبلغ الحجاج موقف عبد الله بن عمر وقوله فأرسل له فأنزل عن جذعه أي جذع النخلة المصلوب عليه فألقي بقبور اليهود وأرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر فأبت أن تأتيه فأعاد عليها لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك جمع قرن وهي الضفائر فأبت وقالت والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني قال أروني سبتى أي نعلي فأخذ نعليه وانطلق يسرع حتى دخل عليها فقال كيف رأيتني بعدو الله قالت رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك بلغني أنك تقول له يا ابن ذات النطاقين ما يشد به الوسط أنا والله ذات النطاقين أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله صل الله عليه وسلم وطعام أبي بكر من الدواب وأما الآخر فنطاق المرأة لا تستغني عنه أما أن رسول الله صل الله عليه وسلم حدثنا أن في ثقيف كذاباً ومبراً فأما الكذاب تعني بالكذاب المختار بن أبي عبيد الثقفي فإنه تنبأ وتبعه أناس حتى أهلكه الله تعالي فرأيناه وأما المبر المهلك كثير القتل فلا أخالك إلا أياه قال فقام عنها ولم يراجعها - رواه مسلم
إن موقف السيدة أسماء هذا لايحتاج لتعليق على قدر ما يحتاج لتأمل طويل وعميق يصوغ نفس الواحد منا من جديد ما هذا الصبر وهذه الشجاعة وهذه العزة ورباطة الجأش والطاقة النفسية الإيمانية التي مكنتها من هز هذا الطاغية وبعثرته ما كل هذا لسنا أمام امرأة عادية بل إننا أمام جبل أشم وكما كانت نعم المؤمنة ونعم الأم كانت رضي الله عنها وأرضاها نعم الزوجة فعنها قالت تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناصخ الجمل الذي يسقى عليه الماء وغير فرسه فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه أخيط دلوه المصنوع من الجلد وأعجن ولم أكن أحسن الخبز فكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صل الله عليه وسلم على رأسي وهذه مني على ثلثي فرسخ حوالي ثلاثة أميال- رواه البخاري ومسلم
وعنها قالت فجئت يوما والنوى على رأسي فلقيت رسول الله صل الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار فدعاني وقال إخ إخ كلمة تقال للبعير لمن أراد أن ينيخه ليحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس فعرف رسول الله صل الله عليه وسلم أني استحييت فمضى فجئت الزبير فقلت لقيني رسول الله صل الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك فقال والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه قالت حتى أرسل لى أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني - رواه البخاري ومسلم
وكانت رضي الله عنها وأرضاها وقافة على شرع الله حريصة على تحكيمه حتى مع أقرب وأخص الناس إليها فقالت
يا رسول الله مالي مال إلا ما أدخل علي الزبير أفأتصدق ؟
يا رسول الله مالي مال إلا ما أدخل علي الزبير أفأتصدق ؟
قال تصدقي ولا توعي فيوعى عليك - والمعنى لا تمسكي الوعاء وتبخلي بالنفقة مما فيه فيمسك الله عنك فضله- رواه البخاري ومسلم
فعنها قالت قدمت عندى أمي وهي مشركة في عهد رسول الله
صل الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صل الله عليه وسلم
قلت إن أمي قدمت علي وهي راغبة أي راغبة في أن أبرها وأعطيها وهي على شركها أفأصل أمي ؟ قال نعم صلي أمك - رواه البخاري ومسلم
رحم الله ذات النطاقين ورضي الله عنها وعن أبيها وزوجها وابنها وذريتها إلى يوم الدين
