الأربعاء، 26 يناير 2011

صفية بنت عبد المطلب

لنتعرف على صحابيه من خلال عائلتها أبوها عبدالمطلب بن هاشم جد النبي صل الله عليه وسلم وزعيم قريش وسيدها المطاع وأمها هالة بنت وهب أخت آمنة بنت وهب والدة الرسول صل الله عليه وسلم وزوجها الأول الحارث بن حرب أخو أبي سفيان ابن حرب زعيم بني أمية وقد توفي عنها وزوجها الثاني العوام بن خويلد أخو خديجة بنت خويلد سيدة نساء العرب في الجاهلية وأولى أمهات المؤمنين في الإسلام وابنها الزبير بن العوام حواري رسول الله صل الله عليه وسلم أبعد هذا الشرف شرف تطمح له النفوس غير شرف الإيمان ؟

قد توفي عنها زوجها العوام بن خويلد وترك لها طفلاً صغيراً هو ابنها الزبير فنشأته على الخشونة و البأس وربته على الفروسية والحرب وجعلت لعبه في بري السهام ودأبت على أن تقحمه في كل خطر فإذا رأته أحجم أو تردد ضربته ضربا مبرحا وعوتبت من قبل أحد أعمامه حيث قال لها ما هكذا يضرب الولد إنك تضربينه ضرب مبغضة لا ضرب أم فقالت من قال أبغضته فقد كذب وإنما أضربه لكى يلب ويهزم العدو ويأتي بالسلب ولما بعث الله نبيه بدين الهدى والحق وأرسله نذيراً للناس وأمره بأن يبدأ بذوي قرباه جمع بني عبد المطلب نساءهم ورجالهم وكبارهم وصغارهم وخاطبهم قائلاً يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب يا بني عبد المطلب إني لا أملك لكم من الله شيئاً ودعاهم إلى الإيمان بالله وخصهم على التصديق برسالته فأقبل على النور الإلهي منهم من أقبل
وأعرض عن ضيائه من أعرض فكانت صفية بنت عبد المطلب
بالرعيل الأول من المؤمنين المصدقين وبذلك جمعت صفية المجد من أطرافه وانضمت إلى موكب النور هي وفتاها الزبير بن العوام وعانت ما عاناه المسلمون السابقون من بأس قريش وعنتها وطغياتها فلما أذن الله لنبيه والمؤمنين معه بالهجرة للمدينة خلفت السيدة الهاشمية وراءها مكة بكل ما لها فيها من طيب الذكريات وضروب المفاخر والمآثر ويممت وجهها شطر المدينة مهاجرة بدينها إلى الله ورسوله وعلى الرغم من أن السيدة العظيمة كانت يومئذٍ تخطوا نحو الستين من عمرها المديد الحافل فقد كان لها في ميادين الجهاد مواقف ما يزال يذكرها التاريخ بلسان ندي بالإعجاب رطيب بالثناء وحسبنا من هذه المواقف مشهدان اثنان كان أولهما يوم أحد وثانيهما يوم الخندق أما ما كان منها في أحد أنها خرجت مع جند المسلمين في ثلة من النساء جهاداً بسبيل الله فجعلت تنقل الماء وتروي العطاش وتبري السهام وكان لها غرض آخر لترقب المعركة بمشاعرها كلها فقد كان بساحتها ابن أخيها محمد صل الله عليه وسلم وأخوها حمزة بن عبدالمطلب أسد الله وابنها الزبير بن العوام حواري نبي الله صل الله عليه وسلم

وفي المعركة قبل ذلك كله و فوق ذلك كله مصير الإسلام الذي اعتنقته راغبة وهاجرت في سبيله محتسبة وأبصرت من خلاله طريق الجنة ولما رأت المسلمين ينكشفون عن رسول الله صل الله عليه وسلم إلا قليلاً منهم ووجدت المشركين يوشكون أن يصلوا إلى النبي صل الله عليه وسلم ويقضوا عليه طرحت سقائها أرضاً هبت وانتزعت من يد أحد المنهزمين رمحه ومضت تشق به الصفوف وتضرب بسنانه الوجوه وتزأر في المسلمين قائلة ويحكم أنهزمتم عن رسول الله ؟
فلما رآها النبي عليه الصلاة والسلام مقبلة خشي عليها أن ترى أخاها حمزة وهو صريع وقد مثل به المشركون أبشع تمثيل فأشار إلى ابنها الزبير قائلاً المرأة يا زبير المرأة يا زبير فأقبل عليها الزبير وقال يا أمه إليكِ إليكِ يا أمه فقالت تنح لا أم لك فقال إن رسول الله يأمرك أن ترجعي قالت ولم ؟ إنه قد بلغني أنه مثل بأخي وذلك في الله فقال له الرسول صل الله عليه وسلم خل سبيلها يا زبير فخلى سبيلها ولما وضعت الحرب أوزارها وقفت صفية على أخيها حمزة فوجدته قد بقر بطنه وأخرجت كبده وجدع أنفه وصلمت أذناه وشوه وجهه فاستغفرت له وجعلت تقول إن ذلك في الله لقد رضيت بقضاء الله والله لأصبرن ولأحتسبن إن شاء الله كان ذلك موقف صفية بنت عبدالمطلب يوم أحد

وموقفها يوم الخندق فله قصة مثيرة سداها الدهاء والذكاء ولحمتها البسالة والحزم - للتوضيح - السدى هو الخيوط الطويلة للنسيج ولحمتها هى الخيوط العرضية وكان من عادة الرسول صل الله عليه وسلم إذا عزم على غزوة من الغزوات
أن يضع النساء والذراري في الحصون خشية أن يغدر بالمدينة غادر في غيبة حماتها فلما كان يوم الخندق جعل نساءه وعمته وطائفة من نساء المسلمين في حصن حسان بن ثابت ورثة عن آبائه وكان من أمنع حصون المدينة مناعة وأبعدها منالاً وبينما كان المسلمون يرابطون على حواف الخندق في مواجهة قريش وأحلافها وقد شغلوا عن النساء والذراري بمنازلة العدو أبصرت صفية بنت عبدالمطلب شبحاً يتحرك في عتمة الفجر فأرهفت له السمع وأحدت له إليه البصر فإذا هو يهودي أقبل على الحصن وجعل يطيف به متحسسا أخباره متجسسا على من فيه فأدركت أنه عين لبني قومه جاء ليعلم أفي الحصن رجال يدافعون عمن فيه أم إنه لايضم بين جدرانه غير النساء والأطفال فقالت في نفسها إن يهود بني قريظة قد نقضوا ما بينهم وبين رسول الله من عهد وظاهروا قريشاً وأحلافها على المسلمين وليس بيننا وبينهم أحد من المسلمين يدافع عنا ورسول الله صل الله عليه وسلم ومن معه مرابطون في نحور العدو فإن استطاع عدو الله أن ينقل إلى قومه حقيقة أمرنا سبى اليهود نساء المسلمين واسترقوا الذراري وكانت الطامة على المسلمين عند ذلك بادرت إلى خمارها فلفته على رأسها وعمدت إلى ثيابها فشدتها على وسطها وأخذت عموداً على عاتقها ونزلت إلى باب الحصن ففتحته ببراعه وجعلت ترتقب من خلاله عدو الله في يقظة وحذر حتى إذا أيقنت أنه اصبح في موقف يمكنها منه حملت عليه حملة حازمة صارمة وضربته بالعمود على رأسه فطرحته أرضاً ثم عززت الضربة الأول بثانية وثالثة حتى أجهزت عليه وأخمدت أنفاسه بين جنبيه ثم بادرت إليه فاحتزت رأسه بسكين كانت معها وقذفت بالرأس من أعلى الحصن فطفق يتدحرج على سفوحه حتى استقر بين أيدي اليهود الذين كانوا يتربصون في أسفله فلما رأى اليهود رأس صاحبهم قال بعضهم لبعض قد علمنا إن محمداً لم يكن ليترك النساء والأطفال من غير حماة ثم عادوا أدراجهم
رضي الله عن صفية بنت عبد المطلب كانت مثال للمرأة المسلمة ربت وحيدها فأحكمت تربيته وأصيبت بشقيقها فأحسنت الصبر عليه واختبرتها الشدائد فوجدت فيها المرأة الحازمة العاقلة الباسلة وصفية بنت عبدالمطلب أول امرأة قتلت مشركاً في الإسلام