الأربعاء، 27 أكتوبر 2010

أبا هريــــــــرة

هو موهبة خارقة في سعة الذاكرة وقوتها كان يجيد فن الإصغاء وذاكرته تجيد فن الحفظ يسمع فيعي فيحفظ ولا ينسى مما سمع كلمة مهما طال عمره وكان أكثر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حفظا لأحاديثه وأكثرهم رواية لها
جاء عصر الوضاعين وهم تخصصوا بالكذب على رسول الله
صلى الله عليه وسلم واتخذوا أبا هريرة غرضا مستغليه أسوأ استغلال لسمعته العريضة في الرواية عن رسول الله عليه السلام بموضع الارتياب والتساؤل لكن نجا أبو هريرة رضي الله عنه من الأكاذيب والتلفيقات لمفسدون أرادوا التسلل إلى الإسلام عن طريقه ويحملوه وزرها وأذاها
والآن عندما نسمع واعظا أو محاضرا أو خطيب جمعة يقول عبارته المأثورة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعلم إننا أمام شخصية من أكثر شخصيات الصحابة تجيد الصحبة والإصغاء لأحاديث الرائعة والتوجيهات الحكيمة التي حفظها عن النبي صلى الله عليه وسلم

وله مقدرة لنقلك إلى الأيام التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم إن كنت وثيق الإيمان مرهف النفس ستحس انك معهم فعلا قلبا وقالبا
وها هو يتحدث ويقول نشأت يتيما وهاجرت مسكينا وكنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني كنت أخدمهم إذا نزلوا وأحدو لهم إذا ركبوا وهاأنذا وقد زوجنيها الله فالحمد لله الذي جعل الدين قواما وجعل أبا هريرة إماما
قدم على النبي عليه الصلاة والسلام سنة سبع وهو بخيبر أسلم راغبا مشتاقا رأى النبي عليه الصلاة والسلام وبايعه ولم يفارقه إلا بساعات النوم وفى السنوات الأربع التي عاشها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلم لذهاب النبي للرفيق الأعلى كانت السنوات الأربع عمرا وحدها كانت طويلة عريضة ممتلئة بكل صالح من القول والعمل والإصغاء وأدرك أبو هريرة بفطرته الدور الكبير الذي يستطيع أن يخدم به دين الله
ففي تلك العصور كانت العرب لا يهتمون بالكتابة أبا هريرة أدرك بفطرته حاجة المجتمع الجديد الذي يبنيه الإسلام لمن يحفظ تراثه وتعاليمه وكان هناك يومئذ من الصحابة كتاب يكتبون ولكنهم قليلون بعضهم لا يملك من الفراغ ما يمكنه من تسجيل كل ما ينطق به الرسول من حديث ولم يكن أبا هريرة كاتبا ولكنه كان حافظا وكان يملك هذا الفراغ المنشود ليس له أرض يزرعها ولا تجارة يتبعها ورأى نفسه وقد أسلم متأخرا وعزم على أن يعوض ما فاته بأن يواظب على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى مجالسته يعرف بنفسه الموهبة التي أنعم الله بها عليه وهي ذاكرته القوية والتي زادت رحابة وقوة بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لصاحبها أن يبارك الله له فيها فكر لماذا لا يكون واحدا من الذين يأخذون على عاتقهم حفظ هذا التراث ونقله للأجيال دوره هيئه للقيام به ومن ثم لم يكن يفارق الرسول في سفر ولا في حضر وراح يكرس نفسه وذاكرته لحفظ أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام وتوجيهاته وانتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى للرفيق الأعلى فراح أبو هريرة يحدث مما جعل بعض أصحابه يعجبون أنى له كل هذه الأحاديث ومتى سمعها ووعاها وكان يدفع عن نفسه تلك الشكوك التي ساورت بعض أصحابه فقال أنكم لتقولون أكثر أبو هريرة في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم وتقولون إن المهاجرين الذين سبقوه للإسلام لا يحدثون هذه الأحاديث ألا إن أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم بالسوق وان أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضهم واني كنت أميرا مسكينا أكثر مجالسة رسول الله
فأحضر إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا وان النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا يوما فقال من يبسط رداءه حتى يفرغ من حديثي ثم يقبضه إليه فلا ينسى شيئا كان قد سمعه مني فبسطت ثوبي فحدثني ثم ضممته الي فوالله ما كنت نسيت شيئا سمعته منه والله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشي أبدا وهي "  إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون"

هكذا يفسر أبو هريرة سر تفرده بكثرة الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كان متفرغا لصحبة النبي أكثر من غيره وهو كان يحمل ذاكرة قوية باركها الرسول فزادت قوة وهو لا يحدث رغبة في أن يحدث بل لأن إفشاء هذه الأحاديث مسؤولية دينه وحياته وألا كان كاتما للخير والحق من أجل هذا راح يحدث ويحدث لا يصده عن الحديث صاد ولا يعتاقه عائق
حتى قال له عمر يوما وهو أمير المؤمنين لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس  أي أرض قومه وأهله
هذا النهي من أمير المؤمنين لا يشكل اتهاما لأبي هريرة بل هو دعم لنظرية كان عمر يتبناها ويؤكدها تلك هي أن على المسلمين في تلك الفترة ألا يقرؤوا وألا يحفظوا شيئا سوى القرآن حتى يقر وثبت في الأفئدة والعقول فالقرآن كتاب الله ودستور الإسلام وقاموس الدين وكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاسيما في تلك التي أعقبت وفاته عليه الصلاة والسلام والتي يجمع القرآن خلالها قد تسبب بلبلة من أجل هذا كان عمر يقول اشتعلوا بالقرآن فان القرآن كلام الله ويقول أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

وأبو هريرة رضي الله عنه عابد اواب يتناوب وزوجته وابنته قيام الليل كله فيقوم هو ثلثه وتقوم زوجته ثلثه وتقوم ابنته ثلثه وهكذا لا تمر من الليل ساعة الا وفي بيت أبي هريرة عبادة وذكر وصلاة وفي سبيل أن يتفرغ لصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عانى من قسوة الجوع ما لم يعاني مثله أحد وانه كان الجوع يعض أمعاءه فيشد على بطنه حجرا ويعتصر كبده بيديه ويسقط في المسجد وهو يتلوى حتى يظن بعض أصحابه أن به صرعا وما هو بمصروع
ولما أسلم لم يكن ويضنيه من مشاكل حياته سوى مشكلة واحدة كانت المشكلة أمه فأنها رفضت أن تسلم بل كانت تؤذي ابنها في رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذكره بسوء وبيوم ما أسمعت أبا هريرة في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكره فانفض عنها باكيا محزونا وذهب الى مسجد الرسول
ولنصغ إليه وهو يروي لنا بقية الروايا فجئت إلى رسول الله وأنا أبكي فقلت يا رسول الله كنت أدعو أم أبي هريرة إلى الإسلام فتأبى علي واني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره فادع الله أن يهدي أم أبا هريرة إلى الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اهدي أم أبي هريرة فخرجت أعدو أبشرها بدعاء رسول الله فلما أتيت الباب إذا هو مجاف أي مغلق وسمعت خضخضة ماء ونادتني يا أبا هريرة مكانك ثم لبست درعها وعجلت عن خمارها وخرجت وهي تقول أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فجئت أسعى إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم أبكي من الفرح كما بكيت من الحزن وقلت أبشر يا رسول الله فقد أجاب الله دعوتك هدى أم أبي هريرة للإسلام وقلت يا رسول الله ادع الله أن يحببني وأمي للمؤمنين والمؤمنات فقال اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى كل مؤمن ومؤمنة
وعاش أبو هريرة عابدا ومجاهدا لا يتخلف عن غزوة ولا عن طاعة وذات يوم اشتد شوقه إلى لقاء الله وبينما كان عواده يدعون له بالشفاء من مرضه كان هو يلح على الله قائلا اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي وعن ثماني وسبعين سنة مات في العام التاسع والخمسين للهجرة وبين ساكني البقيع الأبرار يتبوأ جثمانه الوديع مكانا مباركا وبينما كان مشيعوه عائدين من جنازته كانت ألسنتهم ترتل الكثير من الأحاديث التي حفظها لهم عن رسولهم الكريم
والآن أتعرفون  لما كنى شيخنا الراحل بأبي هريرة كان اسمه بالجاهلية عبد شمس ولما اسلم سماه الرسول عبد الرحمن كان عطوفا على الحيوان كانت له هرة قطة يطعمها ويحملها وينظفها ويؤويها وكانت تلازمه كظله فدعي أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه