هو صالح بن عبد بن ماسح بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح والله تعالى أعلم
في منطقة الحجر التي تقع بين الحجاز والشام والتي تسمى الآن بمدائن صالح كانت تعيش قبيلة مشهورة تسمى ثمود يرجع أصلها إلى سام بن نوح وكانت لهم حضارة عمرانية واضحة المعالم فقد نحتوا الجبال واتخذوها بيوتا يسكنون فيها في الشتاء لتحميهم من الأمطار والعواصف التي تأتي إليهم من حين لآخر واتخذوا من السهول قصورا يقيمون فيها في الصيف وأنعم الله عز وجل عليهم بنعم لا تعد ولا تحصى فأعطاهم الأرض الخصبة والماء العذب الغزير والحدائق والنخيل والزروع والثمار ولكنهم قابلوا النعمة بالجحود والنكران فكفروا بالله سبحانه ولم يشكروه على نعمه وعبدوا الأصنام وجعلوها شريكة لله وقدموا إليها القرابين وذبحوا لها الذبائح وتضرعوا لها وأخذوا يدعونها فأراد الله هدايتهم فأرسل إليهم نبيا منهم هو صالح عليه السلام وكان رجلا كريما تقيا محبوبا لديهم وبدأ صالح يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك ما هم فيه من عبادة الأصنام فقال لهم " ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم "
وقال الله حاكيا عنه " واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورًا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين " الأعراف 74
ثم أخذ صالح يذكرهم بنعم الله عليهم فقال لهم " أتتركون في ما ها هنا آمنين . في جنات وعيون . وزروع ونخيل طلعها هضيم" الشعراء 146- 148
وأراد أن يبين لهم الطريق لعبادة الله وأنهم لو استغفروا الله وتابوا إليه فإن الله سيقبل توبتهم فقال " يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب "
من هم الذين آمنوا
دوما يكون أتباع الرسل والأنبياء في بادئ الأمر من الفقراء
فآمنت به طائفة من الفقراء والمساكين وكفرت طائفة الأغنياء وكذبوه وقالوا " أبشرًا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر . أؤلقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر " القمر 24-25
وحاولت الفئة الكافرة ذات يوم أن تصرف الذين آمنوا بصالح عن دينهم وتجعلهم يشكون في رسالته فقالوا لهم " أتعلمون أن صالحًا مرسل من ربه " الأعراف 75
أي هل تأكدتم أنه رسول من عند الله ؟
فأعلنت الفئة المؤمنة تمسكها بما أُنزل على صالح وبما جاء به من ربه وقالوا " إنا بما أرسل به مؤمنون " الأعراف
فأصرت الفئة الكافرة بضلالها وقالوا معلنين كفرهم وضلالهم
" إنا بالذي آمنتم به كافرون " الأعراف
ولما رأى صالح عليه السلام إصرارهم على الضلال والكفر
قال " يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير " هود
طريقة خطاب نبي الله صالح عليه السلام لقومه
كان صالح عليه السلام يخاطب قومه بأخلاق الداعي الكريمة وآدابه الرفيعة ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة تارة ويجادلهم تارة أخرى في موضع الجدال مؤكدًا على أن عبادة الله هي الحق والطريق المستقيم ولكن قومه تمادوا في كفرهم وأخذوا يدبرون له المكائد والحيل حتى لا يؤمن به أكثر الناس وذات يوم كان صالح عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله ويبين لهم نعم الله الكثيرة وأنه يجب شكره وحمده عليها فقالوا له يا صالح ما أنت إلا بشر مثلنا سبحان الله ومن يريدون أن يُرسل إليهم ملك ولو أرسل ملك ما فهموا منه أو لأرسله الله على هيئة بشر
طلب المعجزة
طلب قوم صالح عليه السلام منه إثبات نبوته بأن يأتي لهم بمعجزة أى شئ خارق عن العادة فسألهم صالح عليه السلام عن المعجزة التي يريدونها فأشاروا لصخرة بجوارهم وقالوا له أخرِج لنا من هذه الصخرة ناقة طويلة عشراء وأخذوا يصفون الناقة المطلوبة ويعددون صفاتها حتى يعجز صالح عن تحقيق طلبهم فقال لهم صالح أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم أتؤمنون بي وتصدقونني وتعبدون الله الذي خلقكم ؟ فقالوا له نعم وعاهدوه على ذلك فقام صالح عليه السلام وصلى لله سبحانه ثم دعا ربه أن يجيبهم إلى ما طلبوا وبعد لحظات حدثت المعجزة فخرجت الناقة العظيمة من الصخرة التي أشاروا إليها فكانت برهانا ساطعا قويا على نبوة صالح ولما رأى قوم صالح هذه الناقة بمنظرها الهائل آمن بعض قومه واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم ثم أوحى الله إلى صالح أن يأمر قومه بأن لا يتعرضوا للناقة بسوء فقال لهم صالح
" هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم " الأعراف
واستمر الحال على هذا وقتا طويلاً والناقة تشرب ماء البئر يومًا ويشربون هم يومًا وفي اليوم الذي تشرب ولا يشربون كانوا يحلبونها فتعطيهم لبنا يكفيهم جميعًا بل لقد قيل أنمها كانت تأتي بكمية لبن مثل كمية الماء الذي تشربه
لقد حذرهم رسول الله صالح عليه السلام من قتلها ولكن الشيطان أغواهم فزين لهم طريق الشر وتجاهلوا تحذير صالح لهم فاتفقوا على قتل الناقة وكان عدد الذين أجمعوا على قتل الناقة تسعة أفراد
قال تعالى " وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون " النمل 48
ثم اتفقوا مع باقي القوم على تنفيذ مؤامرتهم وقد تولى القيام بهذا الأمر أشقاهم وأكثرهم فسادًا وقيل اسمه قدار بن سالف
وفي الصباح تجمع قوم صالح في مكان فسيح ينتظرون مرور الناقة لتنفيذ مؤامرتهم وبعد لحظات مرت الناقة فتقدم أحدهم منها وضربها بسهم حاد أصابها في ساقها فوقعت على الأرض فضربها قدار بن سالف بالسيف حتى ماتت وعلم صالح بما فعل قومه الذين أصروا على السخرية منه والاستهزاء به وأوحى الله إليه أن العذاب سوف ينزل بقومه بعد ثلاثة أيام فقال صالح عليه السلام " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام " هود 65
ولكن القوم كذبوه واستمروا في سخريتهم منه والاستهزاء به ولما دخل الليل اجتمعت الفئة الكافرة من قوم صالح وأخذوا يتشاورون في قتل صالح حتى يتخلصوا منه مثلما تخلصوا من الناقة ولكن الله عز وجل عجل لهم العذاب الذي وعدهم به نبي الله صالح
ما هي العقوبة ؟
أرسل الله على التسعة الذين قتلوا الناقة حجارة كتعجيل لهم بالعقوبة عن باقي قومهم وأما باقي القوم فأصبحوا في اليوم الأول صفر الوجوه فعلموا أن العذاب الذي وعدوا به واقع لا محالة وفي اليوم الثاني أصبحوا حمر الوجوه وفي اليوم الثالث أصبحوا سود الوجوه وجاءت صيحة شديدة من السماء ورجفة من تحت أرجلهم فماتوا جميعا ولم يبق منهم إلا امرأة عجوز وكانت كافرة أيضا لكن الله سبحانه أبقاها حتى يعلم من جوارهم من الناس خبرهم وهي سنة الله فهربت إلى البلد المجاور وأخبرتهم وطلبت منهم ماءا لتشرب فشربت وماتت على الفور ونجا الله صالح عليه السلام والذين آمنوا معه وهذه هي سنة الله مهما بلغت الشدائد فلابد لنور الله أن ينتصر
ولقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على ديار ثمود المعروفة الآن بمدائن صالح وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع من الهجرة فأمر أصحابه أن يمروا عليها خاشعين خائفين كراهة أن يصيبهم ما أصاب أهلها وأمرهم بعدم دخول القرية الظالمة وعدم الشرب من مائها - متفق عليه
