اليوم ادون اروع امهات المسلمين السيدة آمنة بنت وهب أم الرسول صل الله عليه وسلم سيدة الأمهات شخصية عظيمة وأم جليلة وقد نقصت المصادر والراويات عنها وكفانا فخرا ابنها محمد صل الله عليه وسلم الذي كان فى أحشاؤها وتغذى من دمها واتصلت حياته بحياتها سيدنا محمد هو الأثر الجليل وضعته السيدة آمنة بنت وهب والله تعالى اختار سيدنا محمد من كنانة واختار كنانة من قريشا من العرب فهو خيار من خيار وكان لها أثر بتكوين ولدها وفضلها بإنجاب خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام
ونقول تفتحت عين الفتاة والأم الجليلة آمنة بنت وهب بالبيت العتيق بمكة المكرمة في المكان الذي يسعى إليه الناس من كل فج عميق ملبين نداء إبراهيم الخليل عليه السلام وعلى نبينا الصلاة والسلام أذن في الناس بالحج وفي المكان الطاهر المقدس وضعت السيدة آمنة بنت وهب سيد الخلق محمداً بدار عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم وكان منبت سيدتنا آمنة وصباها في أعز بيئة كما قلنا بمكة وكانت تعرف بزهرة قريش فهي بنت بني زهرة نسبا وشرفا وكانت محشومة ومخبآة عن عيون البشر عندما خطبت لعبد الله بن عبد المطلب كانت حينها أفضل فتاة بقريش نسبا وموضعا وكانت بشذاها العطرة تنبثق من دور بني زهرة عرفت آمنة بطفولتها ابن عمها عبد الله بن عبد المطلب فهو من أبناء أشرف أسر قريش ويعتبر البيت الهاشمي أقرب هذه الأسر إلى آل زهرة بأواصر الود والعلاقة الحميمة التي تجمعهم بهم وعرفته قبل أن ينضج صباها وتلاقت معه بطفولتها البريئة بمكة وربوعها وفي ساحة الحرم وفي مجامع القبائل ولكنها حجبت عنه لما ظهرت عليها علامات النضج مما جعل فتيان أهل مكة يتسارعون لباب بني زهرة لطلب الزواج منها وعبد الله لم يكن من الذين تقدموا لخطبة زهرة قريش مع أنه كان يؤهل بأن يحظى بها لما له من رفعة وسمعة وشرف لانه ابن عبد المطلب بن هاشم وأمه فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية وجدة عبد الله لأبيه سلمى بنت عمرو وسبب منعه من التقدم لآمنة هو نذر أبيه بنحر أحد بنيه لله عند الكعبة فعبد المطلب لما اشتغل بحفر البئر لم يكن له من الولد سوى ابنه الحارث فأخذت قريش تذله لقله اولاده فنذر يومها ان ولد له عشرة أبناء سينحر أحدهم بالكعبة فأنعم الله على عبد المطلب بعشرة أولاد وكان عبد الله أصغرهم وخفق قلب كل شخص وهو ينتظر اللحظة ليسمع اسم الذبيح وبقيت آمنة لا تستطيع ترك بيت أبيها تترقب الأنباء بلهفة حين اختير عبد الله ليكون ذبيحا لما ضرب القدح فخرج السهم على عبد الله فبكت النساء ولم يستطع عبدا المطلب الوفاء بنذره لأن عبد الله أحب أولاده إليه وأشار عليهم شخص وافد من خيبر يقربوا عشراً من الإبل ويضربوا القداح ان أصابه زيدوا الإبل ليرضى ربكم فاذا خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم وظلوا على هذه الحالة ينحرون عشرًا ويضربون القداح حتى كانت العاشرة بعد أن ذبحوا مائة من الإبل ونجا عبد الله والحمد لله
وتعالوا الان نعيش عرس أمنة وعبد الله جاء وهب ليخبر ابنته
عن طلب عبد المطلب بتزويج آمنة بابنه عبد الله فغمر الخبر بفرحه آمنة وبدأت سيدات آل زهرة تتوافد الواحدة تلو الأخرى
لتبارك لآمنة وقيل كان الفتيات يعترضن طريق عبد الله لأنه اشتهر بالوسامة فكان أجمل الشباب وأكثرهم سحرا وأكثر من واحدة خطبته لنفسها مباشرة وأطالت آمنة التفكير بفتاها الذي افتدى من الذبح وهرع لها طالباً يدها رافضاً كل أنثى سواها واستغرقت الأفراح ثلاثة أيام وعيناها ملأتها الدموع لمفارقتها لبيتها الذي نشأت به وأدرك عبد الله بما تشعر به وقادها لرحبة داره الواسعة
تخيلوا بيت النبى البيت لم يكن كبيرا ضخم البناء لكنه مريح لعروسين ليبدآ حياتهما كان البيت ذا درج حجري يوصل لباب يفتح من الشمال فيدخل منه إلى فناء ويبلغ طوله عشر أمتار بعرض ستة أمتار في جداره الأيمن باب يدخل منه إلى قبة وبوسطها إلى الحائط الغربي مقصورة من الخشب أعدت لتكون مخدعاً للعروسين وبعد زواج عبد الله من آمنة وأعرضن عنه كثير من النساء اللواتي كن يخطبنه علانية وكانت منهن بنت نوفل بن أسد من بين النساء اللواتي عرضن عن عبد الله فسأل عبد الله واحدة منهن عن سبب إعراضها عنه فقالت فارقك النور الذي كان معك بالأمس فليس لي بك اليوم حاجة أدهش هذا الكلام عبد الله وآمنة
وراحا يفكران في القول الذي قالته تلك المرأة ؟
لم تكف آمنة عن التفكير والرؤيا عنها وسبب انشغال آمنة في التفكير يرجع لأن هذه المرأة أخت ورقة بن نوفل الذي بشر بأنه سوف يكون بهذه الأمة نبي بقي عبد الله مع عروسه أياما لم تتجاوز عشرة أيام ولحق بالقافلة التجارية المسافرة إلى غزة والشام انطلق عبد الله بسرعة قبل أن يتراجع عن قراره ويستسلم لعواطفه ومرت الأيام وآمنة تشعر بلوعة الفراق ولهفة والحنين إلى رؤيته حتى إنها فضلت العزلة والاستسلام لذكرياتها مع عبد الله بدلا من أن تكون مع أهلها ومرت الأيام شعرت خلالها آمنة ببوادر الحمل كان شعورا خفيفا لطيفا لم تشعر فيه بأية مشقة في هذه الأيام كانت تراودها شكوك بسبب تأخير عبد الله فكانت تواسي نفسها باختلاقها الحجج والأسباب لتأخيره وجاءت بركة أم أيمن لآمنة ولم تخبرها بالخبر الفاجع الذي سيحطم قلبها عند سماعه فكانت تخفيه بصدرها كي لا تعرفه آمنة وأتاها أبوها ليخبرها عن عبد الله فيطلب منها أن تتحلى بالشجاعة عبد الله أصيب بوعكة بسيطة وهو الآن عند أخواله بيثرب ولم تجد هذه المرأة العظيمة سوى التضرع والخشية وطلب الدعاء من الخالق البارئ لعله يرجع لها الغائب الذي تعبت عيناها وهي تنتظره وفي لحظات نومها كان تراودها أجمل وأروع الأحلام والرؤى بالجنين الذي في أحشائها وتسمع كأن أحداً يبشرها بنبوءة وخبر عظيم لهذا الجنين وعرفت الخبر المفزع من الحارث بن عبد المطلب ليخبر الجميع بأن عبد الله مات
أفزع هذا الخبر آمنة فنهلت عيناها بالدموع وبكت على زوجها الغائب وحزن أهلها حزنا شديدا على فتى قريش عبد الله وبكت مكة على الشجاع القوى وعروسه ارملة استسلمت لأحزانها
طال التفكير بزوجها الغالي عليها توصلت للسر العظيم الذي يختفي وراء الجنين اليتيم فكانت تعلل السبب فتقول عبد الله لم يفتد من الذبح عبثا أمهله الله حتى يودعني الجنين الذي تحسه يتقلب في أحشائها ومن أجله يجب عليها أن تعيش وأنزل الله عز وجل الطمأنينة والسكينة في نفس آمنة وأخذت تفكر بالجنين الذي وهبها الله عز وجل لحكمة بديعة فوجدت آمنة في الجنين مواساة لها عن وفاة زوجها ووجدت فيه من يخفف عنها أحزانها العميقة فرح أهل مكة بخبر حمل آمنة وانهلوا لتهنئة آمنة بالخبر السعيد وتتكرر الرؤى عند آمنة وسمعت كأن أحد يقولها أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم تسميه محمد وجاءها المخاض فكانت وحيدة ليس معها أحد ولكنها شعرت بنور يغمرها من كل جانب
وخيل لها أن مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون وهاجر أم إسماعيل كلهن بجنبها فأحست بالنور الذي انبثق منها ومن ثم وضعت وليدها كما تضع كل أنثى من البشر وهكذا كان فقد
ولــد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثنــــاء الروح والملأ الملائك حــوله للدين والدنيا به بشـــراء والعرش يزهو والحظيرة تزدهي والمنتهى والدرة العصماء وهنا اكتملت فرحة آمنة فوليدها بجوارها ولم تعد تشعر بالوحدة التي كانت تشعر بها من قبل وفرح الناس وفرح الجد عبد المطلب بحفيده وشكر الرب على نعمته العظيمة منشدا يقول الحمـــد الله الذي أعطاني هذا الغلام الطيب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان أعيذه من شر ذي شنآن من حسد مضطرب العنان - وسماه محمد
وسبب تسميته محمد ان الله هو الذىكان يريده أن يكون محموداً في الأرض وفي السماء اضافه لما قالته له السيدة آمنه بانها ترغب بتسميته محمد لهاتف جائها بذلك وشعرت آمنة بأن القسم الأول والأهم قد انتهى بوضع وليدها المبشر ورسالة أبيه قد انتهت بأن أودعه الله جنينا في أحشائها ولكن مهمتها بقت في أن ترعاه
وبعد بضعة أيام جف لبن آمنة لما أصابها من الحزن والأسى لموت زوجها الغالي عليها فأعطته لحليمه بنت أبي ذؤيب السعدي حتى ترضعه فبات عندهم حتى انتهت سنة رضاعته وأرجعته إلى آمنه وفي الفترة التي عاش عند حليمة حدثت للرسول حادثة شق الصدر التي فزعت النفوس لها وبلغ محمد السادسة من عمره بعد العناية الفائقة له من والدته وظهرت عليه بوادر النضج فصحبته إلى أخوال أبيه المقيمين في يثرب ولمشاهدة قبر فقيدهما الغالي وعندما وصلت إلى قبر زوجها عكفت هناك ما يقارب شهرا كاملا وهي تتذكر الأيام الخوالي التي جمعتها مع زوجها بينما محمد يلهو ويلعب مع أخواله وتعبت آمنة في طريقها بين البلدتين إثر عاصفة حارة وقوية هبت عليهم فشعرت آمنة بأن أجلها قد حان فكانت تهمس بأنها سوف تموت ولكنها تركت غلاماً طاهراً ثم ماتت بين ذراعي ولدها الصغير محمد وفارقت هذه الدنيا وانهلت أعين الطفل بالبكاء بين ذراعي أمه فهو لا يدرك معنى الموت فأخذته أم أيمن فضمته المسكينة إلى صدرها وأخذ تحاول أن تفهمه معنى الموت حتى يفهمه وعاد اليتم الصغير إلى مكة حاملا في قلبه الصغير الحزن والألم ورأى بعينيه مشهد الموت لأعز الناس وأقربهم إلى قلبه أمه آمنة التي يصعب عليه فراقها تلك هى آمنه بنت وهب وهبك الله يا آمنه محمد ووهبك اسماً انت به آمنه ووهبك والد وهب للدنيا بفضل الله آمنه دمت آمنه ليوم القيامة يا خير ام بالدنيا والله تذكرت منظر موتك على يد ابنك الصغير محمد وهو لا يدرى وبكيت كتابتاً الان حين تذكرت بكائك يا رسول الله صلوات ربى وسلامه عليك
